تشرين - 2010/02/08
عاطف عفيف
تقوم الوكالة الألمانية للتقانة الـjtz برنامج الخبراء المتقاعدين الألمان ses بدراسة لآفاق وفرص السياحة في مدينتي اللاذقية وجبلة بالتعاون مع مجلسي المدينتين.والتي تركز على إقامة السياحة البديلة التي لا تضر بالبيئة ولا تحمل آثاراً سلبية واسعة النطاق وتركز على الثقافة المستدامة ولا تضر بثقافة المجتمع المضيف.
وتعد الدراسة الميدانية لواقع السياحة في مدينة جبلة والتي قام بها خبراء من الوكالة الألمانية للتقانة الـjtz ثمرة لجهود مجلس مدينة جبلة على مدى ثلاث سنوات من ورشات العمل المشتركة مع بعض المؤسسات الأوروبية المعنية بتطوير وتنمية المدن والتي أقيم بعضها في جبلة والبعض الآخر في مدن أوروبية،ومن خلال استقدام خبراء من تلك المؤسسات للمساعدة في تطوير المدينة. ‏
تراث استثنائي 
ومن خلال هذه الدراسة التي قدمها الخبير الألماني ايوالد ميتردورفر من الوكالة الألمانية للتقانة في المركز الثقافي في جبلة بحضور جميع الفعاليات المعنية بمحافظة اللاذقية يمكن القول بأنه وضع إصبعه على الجرح وحدد نقاط الضعف والقوة التي تتمتع بها مدينة جبلة التاريخية والعريقة والتي تمتاز بتراث استثنائي يعود لعهود مختلفة وتضم مجموعة كبيرة ومتنوعة من الأبنية بطرز معمارية تعود لعهود الفينيقيين واليونان والرومان والبيزنطيين والعثمانيين والعرب، حيث تضم المدينة القديمة أهم المباني الأثرية كالمدرج،جامع وحمام السلطان إبراهيم، جامع المنصوري، حمام التصاوير، قبة العمري، السرايا، بيت علي أديب وبيت المفتي، لكن وللأسف معظم هذه المباني بحالة سيئة، وبجانب هذه المباني الهامة توزع العديد من المنازل التاريخية بأنماط معمارية مختلفة، العديد منها فارغ وأغلبها بوضع بالغ السوء بحاجة ماسة للترميم والإصلاح، والكثير منها تضرر بشكل كبير من النمو العشوائي للبناء دون مراعاة للهيكل الأصلي. ‏
ميناء فينيقي طبيعي 
كما أن ميناء جبلة الفينيقي وهو ميناء طبيعي وسهل الوصول إليه من وسط المدينة القديمة ويستخدم من قبل الصيادين فقط، وحتى الآن لا يستخدم في أي نشاط سياحي، هناك بعض الأنشطة لتحسين المرفأ والمناطق المحيطة وإقامة مخازن للصيادين مع وجود مخطط لإقامة مطعم فوق مخازن الصيادين. ‏
وتمتاز جبلة بشاطئ صخري قل مثيله بارتفاع 8-10 م وطريق الكورنيش واسع ويمكن استخدامه للتنزه ويوجد أكشاك صغيرة للقهوة والوجبات الخفيفة منتشرة على طول الكورنيش، وعلى الرغم من الجهود المبذولة من البلدية للحفاظ على المنطقة نظيفة لكنها ملوثة تلوثاً شديداً بالنفايات وخصوصاً بعبوات البلاستيك التي تنتج عن تلك الأكشاك. ‏
كذلك مياه الصرف الصحي للمدينة تصب مباشرة بالبحر وهذا يجعل الشاطئ غير صالح للاستعمال في أغراض السياحة ويسبب نتائج سيئة. ‏
كذلك درس الخبير ايوالد ربط وتطوير السياحة في جبلة مع العديد من المناطق السياحية المحيطة الجاذبة والمثيرة للاهتمام كأوغاريت وقلاع صلاح الدين والمرقب والمينقة والعليقة والحصن ويحمور ومواقع عمريت، وصافيتا، إضافة للعديد من البيوت الريفية الجميلة مع أراض زراعية مزروعة بأشجار البرتقال والزيتون، وعلى مسافة 5كم ترتفع جبال ساحلية تنتشر فيها قرى قديمة وممتعة وقلاع ومناظر طبيعية وشلالات تشكل جميعها نقاط وعوامل جذب فريدة تساهم في الوصول لسياحة متميزة في حال عرفنا كيف نستثمر تلك المفردات بالشكل الأمثل. ‏
منحنى يلامس الصفر 
وللأسف رغم كل هذا الغنى وميزات الجذب السياحي مازال المنحنى البياني للسياحة في هذه المدينة وما يحيط بها يكاد يلامس الصفر، وهذا بالتأكيد يرجع للعديد من العوامل، يقول الخبير الألماني : بأنه حتى الآن لا يمكن للسياح أن يستدلوا على طريقهم إلى جبلة فلوحات الدلالة الطرقية متواضعة جداً، ولا يكاد يوجد فيها أي أنشطة سياحية بسبب نقص البنية التحتية السياحية حيث لا مجال للإقامة بسبب عدم وجود فنادق، كما أن المدينة تخلو من خبرة تجارية سياحية وهناك غياب كامل للخطة التسويقية للمنتج السياحي، كما لا يوجد وثائق متاحة من خرائط وكتيبات للمواقع الثقافية والطبيعية وللمباني الأثرية والتاريخية إضافة إلى أنها في غالب الأحيان تكون ملوثة بالقمامة وبعبوات البلاستيك وخالية من حاويات القمامة. ‏
مبان تاريخية مغلقة ‏ 
ويرى الخبير الألماني بأن لدى مجلس مدينة جبلة رؤية واضحة للاستثمار السياحي وبدأ بتنفيذ بعض الخطوات في صيانة وترميم المدينة القديمة والمرفأ، وقرار المجلس في التنمية السياحية المستدامة والسياحة البديلة أفضل وسيلة للتنافس مع الأسواق الوطنية والدولية، لذلك بداية لابد من إنشاء بنية تحتية سياحية وخاصة الإقامة الفندقية ويجب أن يوضع الهدف لتأمين من 750-1000 غرفة في غضون خمس سنوات، والفنادق يجب أن تكون مجهزة بمنشآت إضافية للمؤتمرات والترفيه والسباحة،كما لابد من إنشاء ملف خاص لاجتذاب المستثمرين المحتملين في خطة تطوير المدينة وتحديد شروط الاستثمار، وينبغي على مجلس مدينة جبلة إيجاد مراكز استعلامات سياحية ووكالة سفر للرحلات والحجوزات الفندقية، وإنشاء متحف وسط المدينة واستخدام بعض البيوت التاريخية في المدينة القديمة كفنادق، وإقامة محاور للسياح ضمن المدينة القديمة سيراً على الأقدام، وإيجاد خرائط لتلك المحاور توضع عليها كافة المعالم التاريخية والمباني الهامة وكافة المعلومات اللازمة، فتح المواقع التاريخية والأثرية للسياحة، والتي مازالت حتى الآن مغلقة فالمدرج الأثري هو خامس مدرج في العالم والثاني في سورية من حيث الأهمية التاريخية رغم ذلك لا يزوره أكثر من 200 شخص في العام، كما من الضروري تحفيز الحرف التقليدية واليدوية الموجودة في المدينة لأنها تشكل عامل جذب،أما بالنسبة للميناء فمن المهم تصميم مرفأ للزوارق الشراعية وتوفير الإمكانيات لممارسة رياضة الغطس، تنظيم رحلات بالقوارب للنزهة والصيد، وإيجاد سفينة كمطعم عائم لتقديم الطعام مع الموسيقا الشعبية، أما بخصوص المناطق المحيطة بالمدينة فمن الضروري تطوير لوحات الدلالة للتعريف بالمواقع السياحية، تصميم خرائط مسارات، كمسار للقلاع أو مسار للريف أو المشاهد الطبيعية، تحفيز المزارعين لتخصيص غرف لتأجيرها للسياح ما يولد نوعاً من السياحة الزراعية وتكون دخلاً إضافياً لهم. ‏
ولابد من معرفة نقطة أساسية أن نجاح مشاريع السياحة المستدامة والبديلة يعتمد بشكل رئيسي على إشراك السكان المحليين في عملية التنمية وتحسين الوعي للأوجه الاجتماعية والاقتصادية وإعادة إحياء المدينة القديمة وتحسين الوعي للقضايا البيئية. ‏
وضع المدينة غير مشجع ‏ 
في حين لم يبد عضو مجلس الشعب السيد سليم عبود الكثير من التفاؤل على عكس الخبير الألماني من قيام سياحة متطورة خاصة أن المدينة تعاني من وضع سيئ في معظم خدماتها فالمداخل التي تعد عنواناً حقيقياً للمدينة هي في حالة يرثى لها وتعكس مدى فقر المدينة، كما أن مكوناتها ووضعها الداخلي لا يقدم مدينة جميلة كما يتمناها أهلها، تفتقر للنظافة وللمناطق الخضراء والحدائق، أرصفتها وشوارعها بحالة سيئة، كما أن تجربة مجلس مدينة جبلة بمنح الرخص للأكشاك على الكورنيش البحري شوه المنظر الجمالي وشكل إعاقة وخطورة للمواطنين والزوار والسياح، وإذا كانت الحاجة الاجتماعية مبرراً لهذه الخطوة كان على البلدية البحث في أماكن أخرى. ‏
منشآت ضخمة بإشغال ضعيف ‏ 
أما بالنسبة لمدينة اللاذقية فيرى الخبير الألماني أنها تمتلك بنية ومنشآت سياحية جيدة على العكس من جبلة، ففيها فنادق بنوعيات متعددة، مطاعم ضخمة،الشاطئ الأزرق بالشمال، الشاطئ الجنوبي لكنه غير مستثمر سياحياً حتى الآن، إضافة للمدينة الرياضية، كذلك توجد مواقع سياحية تاريخية كموقع أوغاريت على بعد 12كم وهو أقدم المواقع التاريخية، وقلعة صلاح الدين على بعد 30 كم وهي من أكثر الحصون العسكرية جاذبية. ‏
ورغم وجود هذه العوامل السابقة الجاذبة نرى أن معدلات إشغال المنشآت السياحية في موسم السياحة الأعظمي منخفضة بشكل لا يصدق،كما تعاني من ثبات أثناء الشتاء. ‏
ويوجد لدى مجلس مدينة اللاذقية خطة استراتيجية للتنمية السياحية، فهناك العديد من الاستثمارات السياحية قيد الإنشاء،لكن المستثمرين أغلبهم من خارج سورية، وهناك مناطق للسياحة المفتوحة سوف تفتتح وتصبح سهلة الوصول للمواطنين مجاناً، ويخطط حالياً للطريق الساحلي الذي سيصل تركيا بالساحل. ‏
لقد اختارت اللاذقية المنشآت السياحية الضخمة على عكس جبلة وهنا يجب الانتباه للتأثيرات السلبية التي قد تحملها من ضرر بيئي ونقص بالمياه ونمو الإنشاءات الهائل غير المقيد، وزيادة بمعدلات الجريمة، وغالباً العائدات تذهب لأصحاب ومستثمري تلك المنشآت في الخارج. ‏
المدينة الرياضية قيمة سياحية ‏ 
وتشكل المدينة الرياضية قيمة سياحية كبيرة لكنها حتى الآن غير مستثمرة، ولابد من توظيفها بحيث تقدم تسهيلات لتدريب النوادي الرياضية الأجنبية، وألعاب قوى، كرة القدم، ألعاب مائية، تنظيم معسكرات تدريب كرة القدم، لكن لابد من تغطية الملاعب بغطاء أخضر بشكل متلائم مع أحوال الطقس، واستخدام الملاعب للحفلات الحية وإقامة ألعاب مخاطرة السيارات والدراجات. ‏
في حين يمكن استثمار المنطقة المقابلة للمدينة الرياضية بإقامة منتزه مائي كبير، وإيجاد منشآت على الشاطئ للرياضة المائية مثل ركوب الأمواج والغطس وجيت سكي، قوارب للنزهة. ‏ 
ضعف في الترويج ‏ 
وهناك بعض المشكلات التي يجب الانتباه إليها، فمياه المجاري التي تصب بالبحر ومشكلات التلوث يجب أن تحل بشكل سريع،كما لابد من حل مشكلات مواقف السيارات. ‏
وخلص الخبير الألماني إلى أن من المسائل الهامة في عملية الترويج السياحي استخدام شبكة الانترنيت، فحتى الآن هناك ضعف في هذه المسألة حيث من الصعب الحصول على المعلومات عن مدينتي جبلة واللاذقية، وللأسف موقع وزارة السياحة لا يفي بالغرض ولقد أشار الخبير إلى أنه لم يستطع إيجاد أي معلومات من شبكة الانترنيت قبل مجيئه لأداء مهمته في مدينتي جبلة واللاذقية، لذلك لابد من إنشاء مواقع إلكترونية باللغة الإنكليزية للمدينتين وربطها مع موقع وزارة السياحة تتضمن كافة المعلومات التي يحتاجها السائح وتمكنه من الحجز في الفندق الذي يريد وتنظيم الرحلة التي يريدها بنفسه ومن بلده، من خلال رؤيته لجميع المعالم السياحية والخدمات الموجودة على الشبكة. ‏
وفي النهاية إن التعاون بين جبلة واللاذقية سيقوي التنافس وسيؤدي إلى التكامل في المنتجات السياحية وسيؤدي إلى تنمية السياحة في المنطقة الساحلية. ‏