![]() |
| البيت الدمشقي... قارورة عطر |
| تشرين الاقتصادي - 2010/02/04 |
تشتهر مدينة دمشق ببيوتها ذات الطابع العربي الأصيل المبنية بالمواد الأولية البسيطة ويعتبر البيت الشامي التقليدي مأثرة من مآثر العمارة العربية بمواصفاته الفريدة التي اكتسبها خلال قرون من الازدهار الحضاري بلغ خلالها فن العمارة الإسلامية القمة في الابداع والتوزيع الوظيفي ولعل أجمل ما قيل في وصف البيت الدمشقي قول الشاعر الكبير نزار قباني في وصف منزله الدمشقي في مئذنة الشحم حيث قال: هل تعرفون معنى أن يسكن الإنسان في قارورة عطر؟ بيتنا كان تلك القارورة..
إنني لا أحاول رشوتكم بتشبيه بليغ، ولكن ثقوا أنني بهذا التشبيه لا أظلم قارورة العطر.. وإنما أظلم دارنا..
بوابة صغيرة من الخشب تنفتح ويبدأ الإسراء على الأخضر.. والأحمر، والليلكي، وتبدأ سيمفونية الضوء والظل والرخام..
شجرة النارنج تحتضن ثمرتها، والدالية حامل، والياسمينة، ولدت ألف قمر أبيض وعلقتكم على قضبان النوافذ.. وأسراب السنونو لا تصطاف إلا عندنا..
أسود الرخام حول البركة الوسطى تملأ فمها بالماء.. وتنفخه.. وتستمر اللعبة المائية ليلاً نهاراً.. لا النوافير تتعب.. ولا ماء بلادي ينتهي..
الورد البلدي سجاد أحمر ممدود تحت أقدامك..
والليلكة تمشط شعرها البنفسجي..
والشمشير، والخبيزة، والشاب الظريف، والمنثور، والريحان، والأضاليا..
وألوف النباتات التي أتذكر ألوانها ولا أتذكر أسماءها..
لا تزال تتسلق على أصابعي كلما أردت أن أكتب..
هكذا وصف شاعرنا نزار قباني داره الدمشقية..
ويتميز البيت الدمشقي القديم ببنائه الهندسي العريق وزخارفه العربية الإسلامية، فهو بناء كبير منغلق على الخارج منفتح على الداخل، مكون من طابقين، تتوسط باحته الواسعة بحرة ماء دائرية تحيط بها نباتات الزينة من ورد وياسمين وفل وريحان.. في صدر البيت (ليوان) مفتوح على (أرض الديار) سقفه مرتفع مزخرف بالرسوم الملونة الجميلة. غرف الطابق العلوي تطل على أرض الدار ويتم الصعود اليها بوساطة درج حجري، وأسقف الغرفة مبنية بأعمدة خشبية متينة مصفوفة مغطاة بطبقة من الطين واللبن، وتسترها من الأسفل ألواح خشبية مزينة بزخارف جميلة.
والبيت الشامي مثال صادق لجمال البيت العربي المغلق من الخارج المفتوح إلى الداخل حيث نجد (أرض الديار) واسعة تتوسطها بحرة جميلة وتحيط بها غرف البيت المكونة من طابقين في أكثر الأحيان ويتصدر البيت الايوان والى جانبه غرفة الاستقبال المفروشة ولا يخلو بيت شامي قديم من الشجر والأزهار.
ويتفنن أهل الشام بتزيين وزخرفة منازلهم من الداخل فتجد ربة المنزل تهتم بتربية النباتات وأشجار الحمضيات من ليمون وكباد أو أشجار المشمش والكرز ويقال إن أول بيت عربي شيد في دمشق كان للخليفة الأموي معاوية بن أبي سفيان حيث شيد داره التي عرفت بدار الإمارة وبقصر الخضراء أيضاً نسبة إلى القبة الخضراء التي كانت تعلوها وكانت إلى جوار الجدار الجنوبي (للجامع الأموي الكبير) تتصل به بباب خاص.
ويعد أجمل وصف للبيت الدمشقي هو ما كتبه أحد الباحثين الأجانب حيث شبهه بالمرأة المتحجبة التي لا يرى من محياها إلا ما ندر مضيفاً أن الوصف بأبسط معانيه فيه العبرة التي إذا أردنا أن نصف البيت الدمشقي فيه لكان العبرة في البساطة الهندسية والتكوين والتشكيل الخارجي وروعة ودقة وإبداع.
والبيوت والدور الأثرية والتاريخية التي يمر بها الإنسان في دمشق القديمة لا يمكن أن تحمل هذا الوصف إلا حين يدخلها المرء ويشاهد ما يستره الحجاب من عظمتها ومن البساطة والحشمة فيرى الزائر جدراناً باسقة وزخارف هندسية وفنية متناغمة وأشجاراً ونباتات متنوعة. وعندما يدخل الزائر أحد البيوت الشامية القديمة العريقة فأول ما يواجهه عند بوابتها ما يسمى الخوخة التي تسمح بمرور الإنسان وحيداً ضمن باب البيت الكبير.
وهذه الأبواب جزء من تاريخ العمارة العربية القديمة اندثرت صناعته منذ زمن بعيد إذ كان الباب الدمشقي يصنع من الخشب قطعة واحدة ?درفة واحدة وغالباً ما يكون خشباً مغلفاً بالنحاس وهناك نوع من الخشب المقوى وهو نموذجان: بسيط مؤلف من درفة واحدة وآخر كبير ضخم مؤلف من باب مرتفع يتوسطه آخر صغير لدخول الشخص وهو عادة من أبواب الأعيان والأغنياء وفي كثير من الأحيان يكون الطرف العلوي للباب على شكل قوس.
أما مفردات البيت الشامي من الداخل فتبدأ بعد دخول البيت من الخوخة وفي الطريق لصحن الدار يمر الزائر بدهليز /ممر ضيق ومعتم/ حتى إذا دخله يقف أمام فسحة ضخمة مفتوحة إلى السماء تزينها الأشجار والنباتات الشامية العريقة والزهور الدمشقية النادرة.
فهناك الياسمين وشجر التوت والنارنج والكباد والليمون الحلو والحامض والبرتقال وهي من الأشجار التي لا يتبدل ورقها ولا يتساقط لا في الصيف ولا في الشتاء بل تظل خضراء نضرة طوال العام وهكذا يكون صحن الدار كروضة غناء تغني عن الحدائق الخارجية للقاطن.
وإذا سار الزائر بين هذه المساحات الخضرية الرائعة يجد بساطاً من الزخارف المنفذة من الرخام المشقف والزخارف الحجرية السوداء والبيضاء ويتوسط هذه الفسحة السماوية البحرة أو الفسقية المنفذة من الآجر المشوي والمكسوة أحياناً بالرخام وأحياناً أخرى بأحجار سوداء وبيضاء وتزينها خيوط هندسية وفنية منحنية الخشبية المنفذة بعدة أشكال فيرى الزائر في صناعتها الحشوات والملايات والسراويل وغيرها.
وفي التوزيع العام تقسم هذه البيوت إلى ثلاثة أقسام وهي السلملك للرجال والحرملك للنساء والخدملك للخدم.
أما بالنسبة للأثاث فكانت لغرف الدار دكات وعتبات فالدكات تغشاها دفوف خشبية تفرش أولاً بالحصير وفوقه تمتد الطنافس والبسط وعلى أطرافها توضع المقاعد الطواطي أو الدواوين ومساندها المغلفة بنسيج موشى معروف باسم دامسكو أي الدمشقي وهو نسيج مخملي منقوش نقشاً فاتناً لطيفاً وهذه الصناعة فقدتها دمشق واستعاضت عنها بنسيج صوفي أو قطني.
وفي الطوابق الأولى هناك منشر للغسيل يسمى المشرفة وهو شبيه بالفسحة السماوية وإذا وجد أعلى من هذا الطابق نجد غرفة لا أكثر تسمى الطيارة ويفصل ملكية البناء في الأسطح جدار خفيف الوزن مصنع على نموذج البغدادي ومكسو باللبن الطابوق أو الكلس العربي ويسمى بجدار الطبلة.
ويتضمن المطبخ في البيت الشامي المدخنة والموقد ومكان تخزين الحبوب وبيت المونة السقيفة ويجد في أسفل الدرج أو في أسفل الجدران الداكونة الخرستانة.
وينتشر في أحياء دمشق القديمة البيت العربي الرشيق ذو الطابقين المبني في أساسه من الحجارة وفي جدرانه العلوية من اللبن والخشب وسقفه من الخشب وشاع في دمشق القديمة استخدام الشرفات المطلة على الحارات والأزقة من الأعلى بنوافذ واسعة، وكانت وسيلة تدفئة البيت الشامي القديم هي الموقد الحديدي أو النحاسي الذي يملأ فحماً ويوقد في خارج البيت ويترك إلى أن يتطاير منه الغاز ثم يؤتى به إلى الغرفة فيدفئها دفئاً معتدلاً ومع الزمن تم استبدال الموقد بـ (الصوبة) التي يكون وقودها إما الحطب أو الديزل.
وقد انتبهت الجهات المعنية بالمحافظة لأهمية البيت الدمشقي وقامت بشراء بعض هذه البيوت وسمحت لبعض أصحابها تحويلها إلى نزل أو مطاعم تستقطب السياح لجمالها ودفئها وعراقتها كما تم تحويل بعض البيوت الشهيرة إلى متاحف للتراث وشجعت كل من يمتلك بيتاً من هذه البيوت على ترميمه وإدخال إصلاحات أو إضافات عليه تتواكب مع العصر شريطة عدم المساس بأساسيات القديم. لا تزال عشرات من بيوت دمشق القديمة شاهداً على عبقرية المعماري العربي، تعكس الأصالة والذوق والعطاء الخير بأحلى صوره، ومن هذه البيوت:
بيت نظام بيت السباعي بيت جبري بيت القوتلي بيت العقاد بيت الطيبي بيت حورانية بيت العظم.. وغيرها.
وفي هذا الإطار تقوم شركات الإنتاج الفني التلفزيوني أو السينمائي باستئجار العديد من البيوت القديمة لتصوير نتاجهم فيها خاصة تلك المسلسلات التي تصور مرحلة من التاريخ الدمشقي المعبر عن فترة الخمسينيات والستينيات وما قبلها.
|