|
"126" مزرعة غير مرخصة تستنزف الميـاه الجوفية وتقدم مخلفات المسـالخ
لماذا لا تطبق القرارات الوزارية التي تمنع تقديم مخلفات المسالخ كعلف للأسماك؟
كلية الطب البيطري:الأســــماك المريضة قد تنقل العديد من الأمراض إلى الإنسان ولو بعد حين
تدقّ نفايات المسالخ والحيوانات النافقة المستخدمة كمادة علفية غذائية لمزارع الأسماك الخاصة، ناقوس الخطر منذ سنوات، فيذهب الصوت والصدى دون أن يسمعه أحد. ما رأيناه من مشاهد أثناء قيام أحد مربي الأسماك، وهو يرمي ببقرة نافقة في حوض الأسماك، تهتز لها الأبدان لتبدو الصورة مقرفة حين ندرك أية أسماك نأكل!!.. والمسألة لا تتوقف هنا بل يتعدّى الأمر ذلك بكثير حين يقوم مربو الأسماك بتقديم الطيور المريضة والنافقة من مخلفات المداجن وكذلك الكلاب المقتولة أو المدهوسة على الطرقات، كمادة علفية لتسمين الأسماك، ومن ثم بيعها للمستهلك.. فتقديم هذه الحيوانات النافقة يؤدي إلى تلوث المسطحات المائية، والأرض، وتلحق بالإنسان الأمراض ولو بعد حين، دون أن يدري. نعم، هذه هي المادة العلفية المفضلة لدى العديد من أصحاب مزارع الأسماك الخاصة، مع العلم أن 80٪ من هذه المسامك غير مرخصة ولا تخضع لأي إشراف أو رقابة، ما يترك حبل مخالفاتها على الغارب. وهنا نقف لنتساءل: ما هي الإجراءات التي اتخذتها الجهات المعنية حيال هذه التجاوزات والمخالفات.. بل من يرغب أن يأكل أسماكاً غذاؤها العلفي «الأبقار والكلاب النافقة»؟!.
الكل يعلم بذلك
لا يستطيع أحد أن يتنصل من المسؤولية بعدم علمه بما يجري من ارتكابات ومخالفات تقشعر لها الأبدان، فالكل يعلم بذلك، بدليل ضبط عشرات السيارات المحمّلة بهذه المخلفات وهي في طريقها إلى مزارع الأسماك.. بل هناك عند كل مزرعة طاحونة أو «جاروشة» تقوم بطحن مخلفات الدواجن من أحشاء وسيقان ورميها في أحواض السمك كمادة علفية، ما جعل هذه القضية محور نقاش مطول في إحدى جلسات مجلس محافظة حماة، ودعا المحافظ بتاريخ 31/5/2008 لتشكيل لجنة طبية وعلمية للتدقيق في الموضوع وإعداد التقرير اللازم، والتأكد من صحة هذه المعلومات.
وفعلاً تم تشكيل اللجنة الخاصة بالكشف على مزارع الأسماك الخاصة، واستمر عمل هذه اللجنة لعدة أسابيع، فماذا كانت النتائج؟!. يقول الدكتور الأستاذ أحمد السمان، رئيس اللجنة، وهو الخبير في علوم التشريح البيطري في جامعة «البعث»، كلية الطب البيطري:
ما رأيناه كان مدهشاً، ومرعباً ومخيفاً.. وسألنا بدلاً من أن نسأله: هل تستطيع أن تتحمّل ما سأُريك؟!.
لقد قدّم لنا مجموعة من الصور كان قد التقطها لحيوانات نافقة، وقد تمّ رميها في أحواض تسمين الأسماك، وهي لـ «كلب، وبقرة، وأحشاء الطيور» لتُحوّل المسطحات المائية إلى «برك من المادة الدهنية»، مؤكداً تلوث الأسماك والمياه والأرض جراء استخدام هذه الأشياء كمادة علفية لإطعام وتسمين الأسماك.
عموماً نعود للحديث عن اللجنة التي تمّ تشكيلها من قبل محافظ حماة، والمؤلفة من: الدكتور طريف عواد من مديرية صحة حماة، ومن نقابة المهندسين الزراعيين، ومدير الثروة السمكية في هيئة تطوير الغاب، ومديرية البيئة، ونقابة الأطباء البيطريين، ومديرية الصناعة، ورئيس جمعية تربية الأسماك، وأخيراً مدير وحدة أسماك الغاب التابعة للقطاع العام، في حين لم يحضر أعمال هذه اللجنة ممثل غرفة زراعة حماة.
كانت أولى المهام لهذه اللجنة دراسة واقع عمل مزارع الأسماك، وأسلوب عملية التعليف المقدمة لها.. فأكد الدكتور أحمد السمان، رئيس اللجنة في تقريره الذي خصّنا بنسخة منه بأن منظمة الصحة العالمية تؤكد في تقاريرها بشكل دائم على أهمية التعامل مع الأسماك وحمايتها من التلوث، والحفاظ على البيئة المائية السليمة الخالية من الطفيليات والملوثات الناتجة عن المادة العلفية المقدمة للأسماك، مشيراً إلى أن الكثير من الأخماج تأخذ نمطاً وبائياً، ممكن أن تُعزى إلى التعامل غير الدقيق مع الأسماك، أو خلال فترة التسمين، كما يحدث الآن في المزارع الخاصة، ما يمكن أن ينتج عن تلوث المياه، أو عندما تُؤكل الأسماك بشكل غير جيد «غير مطهية جيداً». وأشار تقرير اللجنة إلى إمكانية الإصابة بالسالمونيلا والإيشريشاكولي عند الأسماك جراء المياه الملوثة، ما يعني بالضرورة تلوث الأطعمة، وتنتقل إلى الإنسان عن طريق الأسماك الحاملة لهذه الجراثيم، سيما وأن الأسماك ناقلة للسالمونيلا .
تهديد مباشر
إلى ذلك فقد أكد الدكتور طريف عواد، ممثل مديرية الصحة في هذه اللجنة أن استخدام الأغذية غير السليمة للأسماك وبطرق غير نظامية وغير صحية لها تأثيرها على صحة الأسماك والإنسان في آن معاً، وقد تؤدي إلى حدوث أضرار صحية مباشرة «تحسسية وإنتانية»، وغير مباشرة على المدى الطويل.
وفي معرض إجابته عن سؤال «البعث» حول إمكانية مخابر كلية الطب البيطري بحماة إن كانت قادرة على إجراء الاختبارات اللازمة أم لا؟!. أجاب الدكتور السمان، رئيس قسم الوقاية من الأمراض ورئيس اللجنة: بأن المخابر الموجودة في كلية الطب البيطري بحماة هي من المخابر الحديثة والقادرة على إجراء كل الاختبارات لخدمة الأهداف الإنسانية وأعمال اللجنة.
العجب العجاب ما شاهدته اللجنة في مزارع الأسماك الخاصة «الصور المرفقة»، ففي منطقة كريمش شرقي حماة على ضفاف نهر العاصي، ومنطقة المجدل«على بُعد 20 كيلومتراً عن حماة باتجاه الغرب، تم الاطلاع على وضع العديد من المسامك وطريقة تقديم الأعلاف لها من هذه المخلفات، فقام فريق البحث العلمي في كلية الطب البيطري المرافق برئاسة رئيس اللجنة المذكورة بأخذ عينات من الماء، والعلف المقدم ومن مناطق مختلفة من جسم السمك «جلد - كبد - أحشاء - تجويف بطني - عضلات - غلاصم... الخ» وذلك لفحصها مخبرياً، واستقراء النتائج التي سيخلص إليها.
في مزارع أسماك منطقة الغاب، يبدو المشهد أكثر إثارة للتقزز، حيث لاحظت اللجنة أن الواقع القائم من حيث أسلوب التربية والتعليف، أن الأغلبية هناك تستخدم بقايا المسالخ ومخلفات الدواجن والنافق منها أيضاً، في حين لوحظ أن نوعية المياه لأحواض الأسماك «نتنة»، وتطفو عليها بقع كبيرة من المادة الدهنية والزيوت جراء استخدام هذه المخلفات باستمرار، ووفقاً لذلك تم أخذ العينات المطلوبة من الأسماك لفحصها مخبرياً وجرثومياً، واستقراء النتائج.
والمفاجأة الكبيرة كانت بالنتائج المذهلة التي أعطتها النتائج المخبرية لهذه الأسماك، ومن أهمها وجود الطفيليات والجراثيم الممرضة، والتي يمكن أن تنتقل إلى الإنسان، وخاصة من نوع الإيشريشاكولي والمكورات العنقودية والإيروموناس، إضافة للطفيليات وحيدة الخلايا مسببة لها، أي للأسماك، أمراضاً تؤدي إلى خسارة في الإنتاج السمكي، وتنعكس على صحة المواطن بالمحصلة النهائية.
تحت اسم «أسماك دولة»
المهندس محمود عيسى، مدير وحدة أسماك الغاب التابعة للهيئة العامة للثروة السمكية، رأى بأن الحلّ يكمن بإنشاء معمل أعلاف خاص بالأسماك تعود ملكيته إما للمؤسسة العامة للأعلاف، أو للهيئة العامة للثروة السمكية، إن كانت الحجة هي غياب المادة العلفية السليمة لمربي الأسماك على أن تقوم الهيئة العامة للأسماك بالإشراف على آلية الإنتاج، ووضع الخلطات العلفية المدروسة وفق المعايير والمقاييس الرسمية أصولاً، مشيراً إلى أن بعض تجار الأسماك يستجرّون /100/ كغ من أسماك الدولة ليبيعوا معها عشرات الأطنان من أسماك القطاع الخاص، تحت اسم أسماك دولة، وهذا ما أكده أيضاً الدكتور أحمد السمان.
/126/ مزرعة أسماك غير مرخصة
توجد في منطقة الغاب لوحدها /126/ مزرعة أسماك خاصة غير مرخصة، تشغل مساحة مقدارها /2082/ دونماً، في حين أن عدد المزارع المرخصة هو /111/ مزرعة، تشغل مساحة مقدارها /3256/ دونماً، لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو: كيف تسمح الجهات المعنية لهذه المزارع بالعمل وهي غير مرخصة أصولاً، سيما إذا عرفنا أن عملية ضخ المياه لهذه الأحواض «أي أحواض تربية وتسمين الأسماك» تستمر على مدار الأربع والعشرين ساعة، ما يشكل تهديداً مباشراً للمياه الجوفية؟!.
يضاف إلى ذلك، أن المياه التي تتدفق من الأحواض قد تُستعمل في سقاية المزروعات، وهي تحمل الطفيليات والجراثيم والأمراض الأخرى إلى التربة والمزروعات في آن واحد.. ناهيك عن التلوث البيئي والروائح الكريهة المنبعثة في المناطق المحيطة بمزارع الأسماك، بل يمكن أن يُطرح السؤال ومفاده: لماذا لا تقوم الجهات المعنية بملاحقة أصحاب المزارع غير المرخصة وإرغامهم على الترخيص أسوة بالمزارع المرخصة؟!.
طبعاً هذا لا يعني أنها بمجرد ترخيصها ستتوقف عن تقديم مخلفات الدواجن والحيوانات النافقة.
من هنا نلاحظ الدور الغائب لهذه الجهات، وكأن الموضوع لا يعني أحداً، بدليل: ماهي الإجراءات التي تمّ اتخاذها بعد صدور نتائج تقرير اللجنة؟!.
وكأنه جاء «فض عتب»، على الرغم مما تتركه من آثار سلبية «بيئياً وصحياً» المواد العلفية المقدمة.
في هذا السياق، أكد رئيس قسم التشريح في كلية الطب البيطري بحماة بأن الأوروبيين أعدموا الآلاف من الأبقار لمجرد انتشار مرض جنون البقر، فكيف تسمح الجهات المعنية لمربي الأسماك بإطعام أسماكهم الكلاب النافقة، والتي قد تحمل معها «فيروس» الكَلَب؟!.
هذا ما توصلت إليه اللجنة
بداية لا بدّ من الإشارة إلى الجهود التي بذلتها لجنة تقصي الحقائق حول مزارع الأسماك الخاصة، وما توصلت إليه من مقترحات وتوصيات، يأتي في مقدمتها منع تقديم مخلفات وبقايا الدواجن والمجازر النيئة كعلف للأسماك، وتطبيق المراقبة الصحية الشديدة والجادة على كافة هذه المزارع، بل معالجتها وفقاً للشروط الصحية والأنظمة والقوانين المتبعة، إضافة إلى الإشراف البيطري الفعلي على منشآت الإنتاج الحيواني «مداجن، مسالخ، مسامك» ومعالجة الحيوانات النافقة في منشآت الإنتاج الحيواني وفق الشروط الصحية المعمول بها وقائياً، وتحميل مسؤوليتها على المشرف الصحي البيطري.
ولعلّ النقطة الهامة التي اقترحتها اللجنة، هي إغلاق المسامك التي تعلف الأسماك بالحيوانات النافقة لمساهمتها في انتشار الأوبئة «الكوليرا، والطاعون»، وتطبّق القرارات الصادرة عن وزارة الاقتصاد رقم /1561/ تاريخ 8/10/2002، وتعميم وزارة الإدارة المحلية رقم /13/63/1/د، وكتاب وزارة الزراعة رقم /1032/ص بخصوص المسامك التي تعلف الأسماك على بقايا المسالخ وبقايا الدواجن، مع تشديد العقوبة بالسجن وإغلاق المسمكة، لما تسببه من أضرار بيئية وصحية على صحة الإنسان، كما خلص التقرير إلى الرقابة الصحية على جودة الأسماك وصحتها، وما تعكسه على البيئة من آثار سلبية في حال استمراريتها، وإدخال الأسماك ضمن اهتمام البلديات أسوة بالمسالخ واللحوم، وتطبيق الإشراف الصحي والبيئي عليها.
مقترحات جميلة، لكن أين التنفيذ
بالعودة إلى استعراض نتائج ما توصلت إليه لجنة الكشف على مزارع الأسماك الخاصة، نرى العناوين الجميلة التي من شأنها تحصين البيئة والصحة العامة، وإنزال العقوبات الشديدة بحقّ من يرتكب هذه المخالفات، لا سيما وأن هناك أكثر من قرار وتعميم من الوزارات المعنية «الزراعة والاقتصاد والإدارة المحلية»، لكن يبدو أن هذه القرارات يموت مفعولها بالتقادم، بدليل استمرار المخالفات والتلاعب بما يؤذي الصحة العامة. قد يقول قائل: لم يتسمم أو يتأذى مواطن واحد جراء تناوله لهذه الأسماك، وهذا الكلام صحيح، لكن هذه السموم تترك آثاراً سلبية وتراكمات تظهر فيما بعد على العديد من الأشخاص دون أن يدروا، وهذا ما أكده رئيس لجنة التشريح والوقاية في كلية الطب البيطري، وممثل مديرية الصحة لهذه اللجنة.
عموماً يبقى السؤال الكبير مطروحاً ومفاده: أية أسماك من المزارع الخاصة التي نأكلها؟!.. وهل يجوز غضّ النظر عن مزارع الأسماك التي تقدم أبقاراً نافقة ومثلها الكلاب والحيوانات والطيور الأخرى، دون أن يرتجف لهؤلاء المربين جفن؟!.
القضية الآن برسم كل الجهات المعنية حرصاً وحفاظاً على الصحة العامة وسلامة البيئة.. فهل وصلت الرسالة؟!.
محمد فرحة |