
يعتبر كتاب الصورة وطغيان الاتصال لمؤلفه إيناسيو رامونه امتداداً راهناً لمشروع رامونه السينمائي الذي بدأه منذ أكثر من عشرين سنة عبر أبحاثه عن السينما ومقالاته التحليلية التي كانت تنشرها صحيفة اللوموند ديبلوماتيك الشهرية.
ونتبين بين دفتي هذا الكتاب الصادر عن وزارة الثقافة في 188 صفحة من القطع المتوسط كيف بدأت الصورة التلفزيونية على وجه الخصوص بإعادة تشكيل الخريطة الإعلامية والاتصالية فارضة قوانينها الخاصة على عالمنا المعاصر متحولة بذلك إلى طاغوت ضمن عالم الاتصالات الحديثة.
واللافت في كتاب رامونه كما جاء في مقدمته بقلم المترجم الأستاذ نبيل الدبس هو تحليله الصارم والذي لا يخلو من القسوة أحيانا لأزمة الإعلام المعاصر وأسبابها ومقاربته الذكية لمراحلها وكل ذلك بنكهة من السخرية المرة تزيد من متعة قراءته ولا تتعارض مع كونه مرجعا مهما في الآلية الإعلامية والمسؤولية التي تقع على عاتق المتلقي.
وتضمن كتاب الصورة وطغيان الاتصال تسعة فصول تناول أولها الذي حمل عنوان "رسولية إعلامية" الثورة الراديكالية التي حققتها الرقميات والوسائط المتعددة بدعم من التجمعات الاحتكارية الاتصالية وتنافسها غير المحدود في سبيل زيادة أرباحها عن طريق كسب أكبر عدد من القراء وبالتالي من المعلنين ولو كان ذلك عبر التركيز على نجوم الأخبار أو كما سماهم رامونه شعب الإعلام المختار.
وأشار الكاتب الفرنسي إلى المزاحمة بين الصحافة المكتوبة والتلفزيون والمكانة التي استعادتها الصحافة المكتوبة بعد تفردها بنشر الفضائح معتمدة على وثائق الإدانة المكتوبة والتي لا تتمتع بصفة المشهدية أو الاستعراضية متجاوزة بذلك سطوة التلفزيون في ظل عدم وجود دليل مصور بينما سعى التلفزيون إلى تحويل كل خبر إلى فرجة جماهيرية مركزاً على الجوانب الانفعالية.
وتحدث رامونه في فصل "عصر الشبهة" عن فرض التلفزيون نفسه مرة أخرى على رأس الهرم الإعلامي منذ ثمانينيات القرن الماضي بداية البث المباشر حتى بات كل ما هو غير مرئي غير موجود إعلامياً وساد شعار "لا صورة تعني لا حقيقة" وهنا حاولت الصحافة المكتوبة أن تعيد إنتاج ما يقدمه التلفزيون مع تركيزها على الوتر العاطفي لتستطيع التعايش مع الوضع الجديد ثم تطرق إلى ما سماه "أثر الحجاب" وهو العمل على إثارة حدث ما في العالم من أجل حجب حدث آخر وفق آلية درامية تدور حول ثلاث نغمات محورية هي الموت.. الحب.. الفكاهة.. معتمدة على جاذبية المذيع أو المذيعة وكيف سيتم إعلان ما حدث محاولاً إقناعنا بأن التلفاز سيملك القدرة على جعلنا نرى التاريخ وهو يصنع ويقول رامونه إن نظام البث المباشر واعتماده على أي شاهد في مكان الحدث سيدق آخر مسمار في نعش صحافة التحقيق الصحيحة.
أما الفصل الثالث فيتناول الصحافة كسلطة ديمقراطية تقوم بوظيفتها النقدية بعيداً عن الهيمنة التي تفرضها رؤوس الأموال وذلك عبر ما تقوم به من تحقيقات واستطلاعات تطال مختلف جوانب الحياة مع عدم إغفال أسباب انهيار مفهوم الصحافة النبيلة والانتقال من تمجيد الصحفي في منتصف سبعينيات القرن الماضي إلى اعتباره مجرد تابع لسيده لا أكثر.
ويتطرق رامونه في فصل "أن تكون صحفياً" إلى أخلاقيات مهنة الصحافة وخاصة في ظل سيطرة الصناعة على الفضاء الإعلامي والسرعة المطلوبة من العاملين في هذا المجال وما يرتبه ذلك من أعباء اقتصادية فضلاً عن اختفاء الخصوصية الصحفية ولاسيما في ظل الصحافة الآنية التي فرضت انتشارها لينتقل بعدها إلى الأسباب التي دعت لانتشار وظيفة محقق شكاوى المواطنين وكيف أصبح الصحفي مجرد لوح من الزجاج الشفاف بين الحدث والمتلقي مستعرضاً أمثلة عن الأكاذيب والصور المزيفة التي من الممكن أن ينقلها الإعلامي ويحرف بها الرأي العام.
ويتنبأ الباحث الفرنسي في الفصل الخامس بموت الأخبار المتلفزة في ظل منافسة الأقنية الرقمية المتخصصة فضلاً عن الكلفة العالية جداً لإنتاج الخبر وتدني نسبة المشاهدة لشبكات الأقنية غير المتخصصة وهذا ما دفعها للاهتمام بالخبر المحلي بدلاً من الدولي واتخاذها من ذلك تخصصاً جديداً لها إضافة إلى التغيير الذي جرى على قوانين النشرات الإخبارية واقترابها من الاستعراض والمسرحية بدرجة كبيرة لتنال أعلى نسبة متابعة.
ويركز رامونه أيضاً على جمالية الكذب لتجسيد ما يدور في الواقع من زوايا مختلفة وفبركة المواد المرئية للأخبار التي تعوزها تلك المواد وذلك بمساعدة التقنية وهذا يساعد على شخصنة الأحداث فيصبح التصادم بين فئتين اجتماعيتين صراعا بين شخصيتين قابلتين للتصوير ووضعهما ضمن ما يشبه الفيلم الإخباري.
أما الفصل السادس بعنوان "تلفزيون فاحش" فيدور حول التحذير من التلفزيون الذي يتلاعب بأخباره جارا وراءه الوسائل الإعلامية الأخرى ضمن خديعة تشويقية تستطيع أن تجير شعوباً كاملة لخدمة أهداف أصحاب تلك الوسيلة الإعلامية حتى لو اضطرت لنشر الشائعات أو توليف أساطير إخبارية مستبدلة الحقيقة بصورتها المفبركة.
ويتحدث الكاتب في الفصل السابع عن ثلاث أساطير إعلامية تعمد إلى تهييج المشاهد هي قناع الغاز، الشبح، الباتريوت والتي تعتمد على سحر الافتراضي وخلق بيئات جديدة متنوعة بفضل تطور معالجات الصور الرقمية ساعية إلى تغيير إدراكنا الحسي للعالم وزعزعة مرجعياتنا الأكثر رسوخاز في حين يتناول الفصل الثامن الإمبراطوريات الإعلامية الجديدة بعد التدفق الحر للمعلومات الذي أوجب منافسة شرسة ومحاولة السيطرة على أكبر قدر ممكن من القنوات الإعلامية.
ويختم رامونه كتاب "الصورة وطغيان الاتصال" بفصل حمل عنوان "الاستعلام متعب" يركز فيه على أن الإعلام ليس مظهراً من مظاهر التسلية الحديثة بل إنه سلوك منضبط يوجب على الصحافة المكتوبة أن تهجر الضفاف المريحة للتبسيطية المهيمنة وتستعيد قراءها الذين ينشدون الفهم كي يستمدوا القدرة على التصرف بشكل أفضل ويتفاءل الكاتب بضرورة انتصار الحقيقة والوثوقية الأخلاقية في نهاية المطاف.
اضغط/ ي هنا لقراءة الكتاب كاملاً |