لقد حققت تقنيات المعلومات والاتصالات، خلال سنوات قليلة، قفزات كبيرة وتطوّرات هائلة- لم يكن يتوقعها أحد -، وهي كما يبدو لم تتوقف أو تتباطأ، بل إنها آخذة في التسارع والانتشار تاركة بصماتها العميقة في مختلف جوانب حياتنا الاجتماعية والعلمية والثقافية، وامتدت لتصبح ضرورة من ضرورات حياتنا اليومية، ولم يتخلّف مجتمعٌ من المجتمعات عن جني ثمار هذه الحضارة المدهشة والتي رفعت راية تكنولوجيا المعلومات بعد تراجع حضارة الورق التي سادت المجتمع الإنساني منذ اختراع غوتبرغ للآلة الطابعة عام 1440. تعدُّ الشابكة (الإنترنت)، من أبرز ثمار التطور الهائل في تقنيات المعلومات والاتصالات، لقد زاد عدد المستثمرين فيها عن مليار إنسان، فهي حقا المملكة التي لا تغرب عنها الشمس، وقد فرضت الشابكة هذه تحديا كبيرا لا يمكن إغفاله، فليس لنا من خيار إلا أن نجد مكانا فيها، وهكذا، وخلال سنوات قليلة نسبيا، أضحت هذه الشابكة من أهم مصادر المعلومات التي يلجأ إليها الطبيب في حياته العلمية والمهنية، وازدادت أهميتها، لاسيما بعد أن ضمت آلاف المجلات العلمية، ومواقع الجامعات والكليات، والمؤسسات الحكومية، وكذلك الشركات والمؤتمرات وغيرها كثير وكثير. وخلال سنوات قليلة تجاوزت الصفحات التي تضمها شبكة الإنترنت المليارات وهي في ازدياد واتساع كبيرين جعل مهمة الباحث عن معلومات محددة كمن يبحث عن إبرة صغيرة جداً في أعماق بحر كبير جدا، وأمام تضاعف حجم المعلومات الطبية مرة كل 6-7 سنوات، ودون رقيب أو حسيب، وجد الطبيب نفسه يواجه تحديات جمة، وصعوبات كبيرة في بحثه العلمي، وعمله المهني، الذي يتطلب الاطلاع المستمر على أحدث المعلومات وأكثرها مصداقية وملائمة لحاجاته، بالإضافة إلى إتقان طرق الوصول إليها، وحفظها، واسترجاعها، وطباعتها، وحمايتها، وإتقان طرق عرضها وتناقلها. لقد أدى هذا التطور الهائل إلى ظهور ما يعرف باسم الصحّة الإلكترونية، والتي تضم تطبيقاتها التعليم الطبي المستمر الإلكتروني، السجلات الصحية الإلكترونية، برامج المعرفة التثقيفية الصحية ومحدداتها الاجتماعية، التأمين الصحي المحوسب، التَطْبيبٌ عَنْ بُعد، إدارة المعلومات في المستشفى، الترصُّد الوبائي، واستثمار برامج الحكومة الإلكترونية وغيرها من أشكال تطبيقات الصحة الإلكترونية. نعم لقد ظلت هذه التطبيقات-وإلى وقت قريب- مجهولة، قد تثير الدهشة في معظم الأحيان، أما الآن فهي آخذة في النمو والانتشار، بشكل يجعلها -بعد سنوات قليلة- شائعة وضرورية، فالصحة الإلكترونية تغطي كلاً من الرعاية الصحية الأولية والرعاية الطبية، الأمر الذي يدفعنا نحن الأطباء إلى مواكبة هذا التغيير المطلوب واكتساب المعارف والمهارات المطلوبة لاستخدام تقنيات المعلومات والاتصالات، لا سيما البرامج الحاسوبية الأولية، من أجل استثمار التطبيقات المتصاعدة للصحة الإلكترونية. لقد واكب بعض الأطباء والإداريين الصحيين هذا الدور المنشود، وطوروا معارفهم ومهاراتهم وأحسنوا استخدام هذه التقنيات، وبرامجها الحاسوبية الضرورية، بينما لم يستجب البعض الآخر، وظل مترددا متشككاً، تارة، ومتجاهلا لذلك تارة أخرى، وهذا أمر طبيعي، ينبغي تفهمه، والتعامل معه، فالبعض يتخوف من التغيير السريع، وقد يجده محفوفاً بالمخاطر، لاسيما إذا ما تطلب الكثير من الوقت والجهد، وقد يشعر البعض بعدم الاقتناع بجدوى التغيير المطلوب، فلا يضعه ضمن الأوليات، وقد يتثاقل البعض الآخر بسبب ابتعاده عن مناخ التعلم والتدرب لفترة طويلة، وعدم وجود برنامج تدريبي واسع مدروس خاص بالأطباء والعاملين الصحيين لتحقيق هذا التغيير، كذلك قد يظن البعض أن عمله وممارسته قد بلغا من النجاح درجة لا يجد معها الحاجة إلى هذا التغيير. ومن العوامل المهمة الأخرى، والتي يمكن ذكرها في هذه العجالة عدم إلمام بعض الأطباء باللغة الإنجليزية، التي أضحت الأكثر استخداما في تطبيقات تقنيات المعلومات والاتصالات، وبسبب الضعف الشديد في الإنتاج المعرفي العربي الرقمي، إضافة إلى الحضور العربي الخجول على صفحات الشابكة. ولازلت أذكر الجلسة الختامية للمؤتمر الإقليمي للصحة الإلكترونية الذي أقامه المكتب الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية في القاهرة، خلال الفترة 27-29 حزيران 2006، عندما أجمع المشاركون من بلاد إقليم شرق المتوسط على أن مقاومة التغيير من قبل العاملين الصحيين وأصحاب القرار هي بين أهم التحديات التي تواجهها ولادة الصحة الإلكترونية واتساع تطبيقاتها، الأمر الذي ينبغي معالجته والتصدي له في سياستنا الصحية الوطنية ووضع ذلك على سلم أولياتها. ولا يسعني في هذه العجالة إلا أن أُذكّر بالتوصية التي تقدمت بها الرابطة السورية للمعلوماتية الطبية، وهي ضرورة حصول الطبيب على الشهادة الدولية لقيادة الحاسوب {ICDL}،هي شهادة دولية معترف بها دولياً وترعاها منظمة اليونسكو (عربياً منظمة اليونسكو بالقاهرة) تثبت مقدرة حاملها على استخدام التطبيقات الضرورية للحاسوب الشخصي، كذلك ضرورة إدخال مادة المعلوماتية الطبية في منهاج كلية الطب، وفي برامج التعليم الطبي المستمر، من أجل الاستفادة الكاملة من مجتمع المعلومات، ومواكبة العصر الرقمي. د.غسان شحرور رئيس الرابطة السورية للمعلوماتية الطبية Ghassan.dr@gmail.com