تحقيق: شذا فلوح
عوامل عدة تتعلق بالسياحة القادمة إلى سورية، والسياحة المحلية تعيق تطورها قياساً إلى وضع الدول المجاورة على الأقل بتفاوت يثير تساؤلات واستفسارات يوضحها أصحاب «الكار السياحي» من العاملين فيه، حيث أنهم على علاقة بتوصيف مواضع الخلل والنقص المعيق لتطور مجمل السياحة في سورية. شجون المكاتب السياحية في دمشق من جهة، ورأي وزارة السياحة وتوصيفها لواقع سياحي، يجري العمل على تحسينه لخدمة السياحة في بلدنا من جهة أخرى.
لا يوجد فنادق تستوعب
نستعرض فيما يلي بعض آراء المكاتب السياحية في دمشق، حول العروض السياحية والدعاية الإعلانية ومتطلبات السائح القاصد لسورية.. يقول السيد «فاكر قروان»، صاحب مكتب سياحي في دمشق: واقع السياحة الداخلية بحاجة للكثير من الاهتمام من النواحي الخدمية والفندقية، فالسائح الأجنبي لا يهمه عدد النجوم التي يحملها الفندق الذي يودّ الحجز فيه، بقدر ما يصرّ على موقع الفندق وسط البلد، المهم أن يكون الفندق فندقاً نظيفاً ومخدماً.
حاجة السائح هي زيارة الآثار والمواقع، التي قطع مسافات ليصل إليها، ودرس واطّلع على الكتب والخرائط المتعلقة بها.
تكمن مشكلة السياحة الداخلية في عدم توفر غرف حجز في الفنادق، حيث نجدها محجوزة، وهذا مؤشر جيد يدل على إقبال السائحين، لكن عدم توفر فنادق تستوعب الأعداد القادمة إلى سورية يُعدّ عاملاً معيقاً لتنظيم عمل المكاتب السياحية والسياحة الخارجية معاً. أما موضوع الاقتصاد العالمي، الذي ظهر منذ السنة الماضية -فعلياً- وصلنا هذا العام مع وضوح معالم المشكلة الاقتصادية بارتفاع الأسعار، إلا أن الإقبال من السياحة الخارجية إلى سورية مرتفع، إذ يبلغ 90٪ لكافة أنواع السياحة (دينية أو ثقافية)، و10٪ سياحة محلية داخلية، وما ينقصنا هو طرح العديد من العروض المنافسة والقوية للسياحة مع الدول المجاورة على الأقل.
ولا ننسى حاجة السياحة إلى خدمات عامة من قبل البلديات، تعريفية وإعلانية لجذب السياح، وحبذا لو تركّز وزارة السياحة على الدعاية الخارجية، بهدف زيادة عدد السياح وتعريفهم على آثارنا وطعامنا السوري، وسهولة التجوال في بلدنا والأمان، من أولويات اهتماماتهم.
مثلث سياحي ذهبي «دمشق - حلب - تدمر»
وللسيد «ذكوان الحلبي»، الذي يعمل في المجال السياحي منذ عام 1995 وجهة نظر، يرى بأن الموسم السياحي منذ 2008 وحتى 2009 جيد جداً، فالمثلث السياحي لمدن «دمشق - حلب - تدمر» يُعتبر مثلثاً سياحياً ذهبياً محلياً.
ويضيف: لم نتأثر بالأزمة الاقتصادية سياحياً، لأن السائح الذي يزور سورية لا يقصدها للترفيه فقط، بل للإطلاع على معالمها أيضاً، وطوال العام لدينا موسم سياحي «أوروبي» بشكل عام خلال فصل الربيع والخريف، ومن اسبانيا، إيطاليا، اليونان بشكل خاص في الصيف بهدف السياحة الدينية، وكذلك للسياحة من ماليزيا أهمية خاصة أيضاً ومفيدة لسورية، حيث نتبادل السياحة مع ماليزيا دون «فيزا» تأشيرة دخول، وحتى من أمريكا وبريطانيا ومن جنوب إفريقيا يقوم رجال الأعمال بزيارة قصيرة إلى قبور الصحابة، وعموماً الموسم السياحي يرتبط بعوامل الطقس والعطل.
والمشكلة القائمة التي تعرقل السياحة الخارجية هي نقص عدد الفنادق وأسعارها المرتفعة قياساً إلى الخدمات التي تقدمها، وذلك في حال توفر مكان للحجز فيها، فمثلاً سعر الغرفة في الشاطىء الأزرق /200/ دولار، وغرفة مشابهة على الشواطىء التركية يبلغ سعرها /70/ دولاراً.
بالنتيجة لا يوجد سائح قادم إلى زيارة البحر فقط، فالسائح القاصد لسورية يذهب إلى الآثار بالدرجة الأولى، والنقص في عدد الفنادق مشكلة حقيقية، ففي دمشق يوجد أربعة فنادق، تصنيفها خمس نجوم، وفنادق أخرى تصنيفها ثلاث أو أربع نجوم، وهي في الواقع لا تستحق درجة نجمتين فقط.. والأمل بتدارك هذا النقص الواضح على صعيد بناء الفنادق.. صحيح أن بيوت دمشق حلّت المشكلة في دمشق على الأقل وفكرتها جميلة، لكن ما زالت مرتفعة الأسعار، ولا توجد أية غرفة تحت /100/ دولار في الليلة الواحدة.
حالياً نحجز الشهر الرابع من عام 2010 لنجد مكاناً للسياح القادمين، وفي كثير من الأحيان نضطر لتغيير برنامج الرحلات، إضافة لتبديل بين أماكن الزيارات في حلب ودمشق، ريثما يتم إيجاد حجز مثبت.
البنية التحتية مفقودة
أما السيد «يسار كيوان»، فحدد نقاطاً أساسية مفقودة على صعيد الخدمة السياحية قياساً إلى الدول المجاورة الناشطة سياحياً، وإن كان لدينا الكثير من الحجوزات بالنسبة للسياحة القادمة، لكننا لا نعرف ماذا سيُنفذ منها، حيث ظهرت مشكلة انفلونزا الخنازير، والخوف من السفر بشكل عام بعد سقوط ثلاث طائرات في أقل من شهرين. والشقّ الثاني المتعلق بالسياحة القادمة «السياحة العربية»، حيث نلاحظ مؤشر انخفاض كبير مقارنة بعدد حجوزات الفنادق وفي المصايف والمحافظات، وانخفاض عدد الركاب في شركات الطيران، وما نحتاج إليه فعلياً في السياحة، تحسين البنية التحتية التي تُعتبر الأساس في رفع مستوى السياحة وازدهارها، فمنذ (25- 30) سنة لم يتغير شيء لدينا حتى بعض الأمور المتعلقة بالبيئة والنظافة العامة والكهرباء والطرقات ومواقف السيارات تتراجع، والسائح يلاحظ ذلك، وقد يتردد عن الزيارة في مرات قادمة والذهاب إلى الدول المجاورة، ولا ننسى المطار فهو واجهة البلد وأول معالمها، فقد حدثت حالات إغماء نتيجة عدم وجود تكييف كافٍ في صالات المطار بعد تجديده.
والجدير ذكره أن وزارة السياحة لا تستطيع العمل وحدها، بل يجب تعاون الجهات المعنية وحتى تعاون المواطنين وتوعيتهم تجاه الحفاظ على نظافة بلدهم، وعن طريق أيضاً لوحات التوعية في كل الطرقات والأماكن.
والمشكلة الأكبر في قلة عدد الفنادق في سورية، وخاصة دمشق فالسائح لا يهمه (التصنيف) بقدر جودة الخدمة والنظافة، حيث يوجد الكثير من الفنادق غير المصنفة تصنيفاً حقيقياً متناسباً مع خدماتها، وهذا ما جعل وزارة السياحة تطلق على العام 2010 عام جودة المنتج، ومع تحقيق هذه الجودة المطلوبة تتحرر الأسعار ضمن تقديرات الوزارة، فعملية المنتج السياحي عملية تكاملية، بدءاً من وصول السائح، مروراً بالمطار والجمارك والتكسي وشركات النقل والفنادق، وعملية تنظيم تكسي النقل عمل جيد، ألغى عمل السماسرة والمصطادين للسياح، ومنعت استغلالهم، بحيث يكون أمام شركات السياحة هامش لاختيار وسيلة النقل الأكثر تناسباً مع طبيعة السائحين ومتطلباتهم، لكن المفروض الاهتمام أكثر بسائقي التكسي العمومي ضمن المدينة، وتشديد الرقابة على نظافة سيارة الأجرة وجودة مقاعدها، ومعرفة السائق بشوارع البلد بدقة.
إذاً، تنقصنا تحسينات عامة لكافة الجوانب، وهذا أمر ضروري تجنباً لتحوّل واجهة السائحين إلى الدول المجاورة، التي أخذت بإلغاء الرسوم وتقديم عروض جذب، وفنادق جيدة بأسعار منافسة.
ويتابع السيد كيوان: حتى السياحة الداخلية المحلية باتت تتجه إلى العروض السياحية الخارجية الأرخص من بلدنا، وإن كان عمل وزارة السياحة خلال 2008 - 2009 له الأثر الأكبر في ازدياد عدد السياح القادمين نتيجة مشاركاتها الخارجية في المعارض وحملات الترويج في الدول الأوروبية والعربية، تبقى المشكلة الأولى والأخيرة في سياحتنا قلة عدد الأسرّة، وعدم تشجيع الاستثمارات الفندقية بسبب الروتين للحصول على التراخيص لبناء الفنادق، ويلاحظ هذا في الأماكن غير المطروحة للاستثمار، وأيضاً ضرورة جذب أموال المغتربين السوريين للاستثمار في بلدهم عملاً على تجاوز كل ما يؤخر تحسين مستوى السياحة لنصل مع العام 2010 لجودة المنتج محلياً.
رأي وزارة السياحة
جميع ما ذُكر من نقاط عبر استطلاعنا، وما تخطط له وزارة السياحة لتجاوز عثرات سياحية موجودة وقادمة، حاولنا استخلاصها برأي للوزارة من المهندس «فيصل نجاتي» مدير سياحة دمشق، حيث قال: تبلغ نسبة الزيادة في السياحة القادمة إلى سورية، وبالتحديد إلى دمشق خلال /6/ أشهر من 2008 و2009، 14٪ من ناحية زيادة عدد الليالي السياحية، أما عدد السياح فبلغ 8٪، وهذا مؤشر موثق ومقدم من المكاتب السياحية، فبعض الدول استفادت من الأزمة الاقتصادية التي تمر، وكانت مقاصد سياحية مستفيدة، ودول أخرى ستتضرر الكتلة الأساسية للسياحة فيها كالمقاصد السياحية «الترفيهية» فقط، نتيجة لذلك كان للمقاصد السياحية القريبة «أوروبا» مثلاً، والمقاصد ذات المحتوى التاريخي والأثري «منطقة الشرق الأوسط، الأردن، سورية، مصر»، زاد الطلب السياحي عليها من ناحية السياحة الثقافية والدينية والمؤشرات الأولى جيدة بالنسبة لعدد السياح، وخاصة نشاط السياحة الأردنية.
استثمارات سياحية قادمة
ويتابع المهندس نجاتي، مؤكداً النقص الواضح في الفنادق داخل سورية بشكل عام وقال: طبعاً يوجد نقص، وفي دمشق «بشكل خاص»، شهدت منذ (3-5) سنوات تطوراً واضحاً بسياحة المؤتمرات، ونشاطاً اقتصادياً هاماً في دمشق من مؤتمرات تجارية اقتصادية طبية وعلمية، حتى مؤتمرات عربية وسياسية، إضافة إلى نشاط الشركات المختلفة والإقبال السياحي، هذا كله يتطلب فنادق كبيرة من مختلف المستويات، لذلك فإن عدد الفنادق في سورية وفي «دمشق» تحديداً لم يعد كافياً، وهذا الأمر ملحوظ ضمن خطط وزارة السياحة لتطوير السياحة باستثمارات سياحية جديدة.
وبالعودة إلى «دمشق القديمة»، وما تشهده من تطور في الفنادق السياحية والمشاريع الكبيرة لفنادق سياحية في دمشق مثل مشروع كراج الحجز لشركة ألمانية، ومشروع كيوان، وخان سليمان باشا في دمشق القديمة، ومشروع «الموفن بيك» لشركة الشرق، وبالتالي يوجد نشاط متوقع خلال ثلاث سنوات وبزيادة واسعة للاستيعاب الفندقي وللنشاطات الترفيهية والتجارية المتنوعة، والوزارة تأمل الخير مع الزيادة الواضحة في حجم الاستيعاب السياحي.
تثبيت تصنيف الجودة
حول المحاور الأساسية لبرنامج الجودة، الذي اعتمدته وزارة السياحة، يوضح مدير سياحة دمشق: إحدى الخطط الرئيسية لوزارة السياحة هي جودة المنتج السياحي والمنشآت السياحية والخدمات العامة، حيث أعلنت الوزارة العام 2010 عام الجودة السياحية بمحورين:
1- الجودة للمنشآت التي تقع تحت صلاحية وزارة السياحة من مكاتب السياحة وشركات النقل والفنادق والمطاعم والأدلاء السياحيين ... الخ، وفيه تقوم الوزارة بتنفيذ خطة «تثبيت التصنيف»، بحيث تكون السوية جيدة في كافة المحافظات من الآن لرأس السنة، تثبيت التصنيف حسب واقعه التشغيلي.
2- ما يقع تحت صلاحية الوزارات الأخرى من (نظافة - طرق عامة - معابر - مطار - خدمات عامة)، تقوم الوزارة بوضع برامج لتطويرها على محاور «حركة السائح» كخطوة أولى في كل أنحاء القطر. إذاً، أولويات الطرق التي تخدم حركة السياح ومتابعتها «هي ليست من صلاحياتنا»، لكنها مطلوبة هذا العام بجهد وتنسيق بين الوزارة والوزارات الأخرى.
صمام أمان
كثرت الدول التي تأخذ الاهتمام بالسياحة الداخلية كعنصر أساسي في السياحة، وعن أسباب الانطلاق من السياحة الداخلية إلى سياحة عالمية عموماً، يجيب السيد نجاتي:
«السياحة الداخلية» جانب مهم بالنسبة للدول، لأن السياحة الداخلية هي صمام الأمان لتشغيل المنشآت السياحية خارج الموسم السياحي، كذلك الكثير من الدول تعقد على السياحة الداخلية آمالاً كبيرة، كون صناعة السياحة صناعة قلقة مرتبطة بأحداث خارج نطاق الدول بحدّ ذاتها، وهي بحاجة لبنية ترتبط بأمور كثيرة، إذ مفهوم السياحة الداخلية في بلدنا ما زال محدداً ومرتبطاً بالسيران الشعبي أو العائلي، وثقافة ما يُعرف بالإقامة خارج المدينة أو المحافظة ليست رائجة في مجتمعنا، وأيضاً للدخل المادي جانب آخر مهم في حياة المواطنين وبحاجة لمعالجة، لذلك اهتمت وتعمل الوزارة على تقديم برامج سياحية لزيارة آثار ومواقع وطننا، بما يتناسب مع أسعار ذوي الدخل المحدود الشريحة الأكبر، وبما يناسب الذوق المحلي. ومن خطوات الوزارة هذا العام، صدور قرار مكاتب السياحة الداخلية بهدف نشر وتنظيم معارض للسياحة الداخلية للتعريف بالمحافظات السورية، وعمل الوزارة يهتم بالسياحة الداخلية تحديداً من عدة جوانب، تتضمن قرار إحداث الشركة السورية للسياحة، التي من مهام إحداثها تنشيط السياحة الداخلية، والعمل على التوسع بزيادة عدد المتنزهات العامة الشعبية الكبيرة، وتقديم خدمات عامة منظمة وألعاب متنوعة تخدم حركة السياحة الداخلية التي نفتقدها، وهذه مسؤولية المحافظات والإدارة المحلية لخلق متنزهات عامة وحدائق مجانية وترفيهية، ومن محفزات السياحة الداخلية أيضاً، المهرجانات والمعارض الخاصة بالمهتمين والمؤتمرات الاختصاصية.
علاقة الوزارة بالمكاتب
إن المطلوب من وزارة السياحة تجاه المكاتب السياحية، التنظيم والتكامل لعمل سياحي مشترك.. حول هذا العمل، يوضح المهندس نجاتي:
تعمم وزارة السياحة عن البرامج والمعارض التي ستشارك فيها، وعن المعارض القادمة بهدف دعوة المكاتب للمشاركة ضمن جناح وزارة السياحة، وتخصص أماكن للمكاتب السياحية لقاء اشتراك رمزي، إذ تتكلف الوزارة بالجزء الكبير، ومع إصدار القانون الجديد حول التصنيف، ومن يطلب تصنيفه في المكاتب يتوجب عليه لتنظيم رحلات سياحية الاشتراك بأربعة معارض، الهدف من القرار المهم بالنسبة للقطاع الخاص، هو تنظيم العقود بين المكاتب السياحية والشركات المنسقة للرحلات السياحية، كما تقيم الوزارة ورشات عمل داخلية وخارجية بين مكاتب سياحية محلية وخارجية، وهذا ما يؤكد تكامل تنسيق العمل بين الوزارة والمكاتب بتشاركية اتخاذ القرار لتحقيق مصلحة مشتركة في زيادة العائد وزيادة عدد السياح، عبر تمثيل وزارة السياحة لبلدنا في الخارج، وتحقيق المكاتب السياحية جدوى من عملها. |