تشير الدراسات إلى أن معظم حالات الانحراف والجنوح والأمراض الاجتماعية في المجتمع مردها إلى عدم الاستقرار الأسري وانفصال الوالدين ما يؤثر على بناء شخصية الطفل واتزانها حتى بعد سن البلوغ.
ولانفصال الوالدين أثاره السلبية على كل أفراد الأسرة لكن الطفل هو أكثر المتضررين منه وفي هذا السياق قال الدكتور كمال يوسف بلان رئيس قسم الإرشاد النفسي في كلية التربية جامعة دمشق إن الطلاق يولد داخل الطفل كرها وحقدا على والديه , ولكن ليس بالمعنى العام للكره بل هو أقرب للعتب والحزن والرفض الداخلي , كما أنه يفقده الثقة بوالديه والمحيطين به وهذا يؤثر مستقبلا على حياته بشكل عام والزوجية بشكل خاص وعلى طريقة انتقائه لشريكة حياته.
وأوضح بلان إن الطفل يعتبر والده نموذجا يقتدى به عندما يكبر من خلال معاملته لزوجته ولأسرته كما يقتدى بوالدته أيضا ويعتبرها نموذجا للمرأة والزوجة ويفتش عن شبيه لها بين النساء بشكل لا شعوري وبالتالي فأن الطلاق بالنسبة للطفل يعني انعدام وجود المثل الأعلى الذي يقتدى به وفقدان التوجيه من الوالدين الأمر الذي يؤدي إلى فقدان الثقة بمن حوله وإعاقة نشاطه الإنساني وعلاقته مع الآخرين كما يعنى فراغا عاطفيا يحاول أن يجده خارج المنزل ما يجعله معرضا للانحراف ورفقة السوء.
وأكد بلان ضرورة اعتبار مصلحة الطفل من أهم أولويات الأبوين وتأمين الجو النفسي المناسب له على الرغم من وجود الطلاق , لافتا إلى أهمية دور المرشدين النفسيين في المدارس عبر تركيز اهتمامهم على الأطفال الذين ينحدرون من أسر مطلقة.
وكشفت الدراسات عن أعراض نفسية مختلفة عانى منها الأطفال الذين فقدوا أحد والديهم نتيجة الطلاق وأهم هذه الأعراض القلق وحالة الصداع.
وقالت هبة 12عاما إحدى الفتيات التي عانت آثار الطلاق بين والديها "أخاف من الآخرين وخاصة عندما أراهم ينظرون إلي ويتحدثون فأشعر بأنهم يتكلمون عني شعور مؤلم جدا ,وتضيف "لا أحب الاختلاط بأحد".
أما وسام وهي فتاة في الرابعة عشرة من عمرها قالت إن معاملة والدي لنا كانت سيئة جدا وطلاق والدتي أفقدني الثقة بالناس عامة وبالرجال خاصة وأضافت إن الفتاة غالبا ما تكون ضحية أخطاء اقترفها الوالدان وحتى بالنسبة للارتباط مستقبلا ترى أن الشاب لا يحبذ الارتباط بفتاة تكون أمها مطلقة ونظرة المجتمع للفتاة التي تنحدر من أسرة مطلقة سلبية عموما.
وبدورها أشارت الدكتورة ظريفة أبو فخر المدرسة في قسم المناهج وطرائق التدريس في كلية التربية بجامعة دمشق إلى أنه من أهم تأثيرات الطلاق على الأطفال هو الشعور الدائم بالتوتر والإضرابات النفسية المختلفة والإحساس بالاغتراب عن الأسرة التي يعيش فيها والفشل في كثير من المهام وخاصة الفشل الدراسي.
ورأت الدكتورة أن حالة عدم الاستقرار التي يعيشها الطفل تؤدي غالبا إلى العدوانية في سلوكه كتعويض عن حالة النقص التي يعانيها وتشكل سببا مهما في انحراف الأحداث وظهور مشاكل سوء التكيف والتوافق والتفاعل مع أعضاء المجتمع.
واقترحت أبو فخر محاولة تعويض الحرمان العاطفي للأطفال عبر إشراكهم في نشاطات مدرسية ودورات صيفية وحفلات فنية كذلك.
وأكد الدكتور محمد الحسن البغا عميد كلية الشريعة في جامعة دمشق أن المشرعين والفقهاء على اختلافهم أقروا بأن الطلاق مصيبة حقيقية وأكثر من يتضرر بها هم الأطفال لذلك جعل الطلاق على ثلاث مراحل وجعل المشرع الطلاق مقيدا بعدة شروط لما يترتب عليه من نتائج سلبية كثيرة.
وأشار البغا إلى إنه من الظلم أن يعيش الطفل محروما من أحد والديه فكلاهما ضروري لنمو الطفل النفسي والوجداني وكلاهما مكمل للآخر, فالطفل يحتاج إلى حنان الأم وحزم الأب للوصول إلى تربية سوية.
وأوضح البغا أن مراكز الأراءة اللقاء السري الموجودة حاليا ليست فعالة بالشكل الأمثل وكثيرا ما تخلق لدى الطفل حالة من الإرهاق والضغط الناجمين عن الجو المشحون بالعواطف المتعارضة والمختلفة , مشيرا إلى أن الأراءة ليست في المكاتب وعلى أدراج الدوائر وإنما في المنزل لأن الأراءة تربية بكل معنى الكلمة.
واقترح الدكتور البغا تأمين حق الأبوين بالأراءة الحقيقية وليس بالأراءة المضطربة وترسيخ معاني الأمومة والأبوة وأن يكون هناك برامج ونشرات تثقيفية وخاصة لمن لديهم هذه المشاكل ومبينا أن نسبة الطلاق تكثر في البيئات الأقل علما والأكثر فقرا.
من جهته بين الدكتور عبد المنعم السقا مدرس في كلية الشريعة ومحاضر في كلية الحقوق /أحوال شخصية/ جامعة دمشق أن القانون وضع ضوابط عدة للحفاظ على مصلحة الطفل وحدد كيفية التعامل معه في حال تم الطلاق بين الأب والأم من خلال إقرار فترة الحضانة للذكر والأنثى , وفضل أن يكون الطفل مع أمه في سنواته الأولى لأنها الأقدر على تلبية حاجاته.
ولفت السقا إلى أن القانون حفظ حق الأب والأم برؤية المحضون ولا يمكن لأي منهما حرمان الطرف الآخر من هذا الحق مبينا أن القانون لم يغفل سفر المحضون مع أحد الوالدين ونص على عدم قدرة أي منهما السفر به إلى أي مكان يمنع الأخر من رؤية طفله.
وبالنسبة للإنفاق على المحضون فقد نص القانون أن الإنفاق من مسؤولية الأب إذا لم يكن للطفل ماله الخاص أما إذا كان للطفل مال خاص سواء أكان من وصية أم عقارات موروثة من جهة الأم فأنه ينفق من ماله.
واقترح السقا منح المحضون حرية الاختيار عند وصوله إلى نهاية فترة الحضانة أن يختار والدته أو والده ليكون أحدهما الحاضن. |