ما زال هنــاك تقصيـر للجهات المعنية في نشر الوعي بمخاطر المخدرات
جواد محمود المقداد
أصدقاء السـوء في مقدمة مسـببات الإدمان
لسنا نعاني من مشكلة مخدرات، وحتى لو عانينا فإلى حين، إذ ليس هناك سوى /3000/ مدمن يتنقلون من مركز صحي لآخر، ومن منتجع لآخر، ومن عمل لآخر أيضاً، وبما يتناسب ومرحلة الشفاء، وعلى مستوى القطر.. أما ما يخص معظم المحافظات وبنسبة عدد السكان، فالعدد محدود ومتابعتهم يسيرة..!!
وعليه، لا توجد في درعا ولا الحسكة ولا الرقة مراكز لعلاج الإدمان ولا التعاطي، والحالات تتم متابعتها يوماً بيوم بعد تحويلها إلى دمشق، كما أفادنا الدكتور ياسر العمور، مدير المشفى الوطني بدرعا، كمثال، باعتبار وجود مشافٍ ومراكز ومنتجعات هناك، أي دمشق، حيث المركز الأهم وهو «المرصد الوطني لرعاية الشباب»، والقادر على استيعاب /29/ مريضاً لمدة علاج هي أسبوع فقط، ولم نخوض في نسب «الانتكاسات»، أي العودة للتعاطي بعد ذلك (65- 70٪). ويشير تقرير نُشر منذ ثلاث سنوات ورسمي الطابع، إلى أن عدد المتعاطين في سورية لم يتجاوز /150/ شخصاً في المليون، أي أن أمورنا بخير.
لسنا متأكدين إن كانت هناك إحصاءات دقيقة أصلاً لعدد المدمنين في سورية، إلا أننا نعرف جيداً أن الرقم أكبر من هذا بكثير، نعرفه من مشاهداتنا اليومية لأماكن مبيت المشردين في الحدائق العامة والساحات المهجورة، المنازل الجاهزة لتلبية «طلبيات الكيف» ليلاً، ونعرفه من الهمسات هنا وهناك، وتكرار مراجعة بعض الصيدليات وبعض الأطباء، ونعرفه من العيون الزائغة، التي ليس من النادر أن نلتقيها حتى في وسائل النقل العام، ونعرفه من غيبوبة شباب نهاراً وليلاً، همشتهم الأدوية المخدرة وأبعدتهم عن المجتمع وهمومه.. فما المشكلة في أن نعلن عما لدينا من أرقام حقيقية؟!.
نعم ثمة تقصير
نعم، في الحقيقة فإن ذلك يدل أولاً على تقصير بعض الجهات المعنية في نشر الوعي بمخاطر المخدرات، إضافة إلى التقصير في تأمين عمل مناسب للشباب، والذي غالباً ما يصل لمرحلة اليأس في بحثه العبثي عن عمل يؤمن له حداً مناسباً من الاستقرار المالي، ويشكّل أساساً لازماً لحد أدنى من الاستقرار النفسي والعاطفي.
نعم.. نقدم كل التقدير والتحية لأجهزة الأمن على اختلافها، ودورها الجبار في حماية البلد، من أن يصبح مقراً وهدفاً وليس معبراً، ولكن!!.
قبل أن يكون في إمكاننا أن نناقش خطتنا الوطنية لمكافحة المخدرات، خاصة بين النشء، والحدّ من انتشارها كمرحلة أولى لتقليلها، لا بدّ لنا أن نمتلك الجرأة الكافية للاعتراف بما هو قائم لنكافحه معاً.. لا بد لنا من أن نقرّ بالأرقام الحقيقية لهذه المشكلة، ولا بدّ لنا أن نعرف حقاً من هم هؤلاء المتعاطون؟!.. وما هي أعمارهم وظروفهم الاجتماعية والاقتصادية والثقافية؟!.. والأهم الأهم من هم تجار الموت، وكيف كانوا يمارسون أنشطتهم الهدّامة، ولماذا لم يتم قمعهم في حينه؟!.
هذه أولويات أساسية لا بدّ منها، إذا أردنا حلولاً ناجعة لمشكلة انتشار المخدرات بين النشء، لا يستطيع أحد أن يصدق هذا الرقم الذي بيّناه في دمشق وحدها، والمشكلة هي حين يحاول المرء أن يبني تواصلاً، وهذه الأرقام الواردة في التقرير، إذ يؤكد التقرير أن سورية هي بلد عبور، والأجهزة المعنية صادرت /563.5/ كغ من الحشيش المخدر، و/915/ كغ من الهيروئين، و/40.5/ كغ من الكوكائين، و/2.8/ كغ أفيون، و/2096308/ حبة كبتاغون، و/404/ كغ خلطة حبوب مخدرة، و/301/ كغ حبوب مختلفة على الأراضي السورية خلال عام واحد.
تصوروا كل هذه الكمية من المواد المخدرة تم ضبطها في بلد لا يتجاوز عدد المدمنين فيها /3000/ مدمن، (الأرقام والنسب نشرتها الصحف السورية).
بعض الأرقام
إحصائية عام 2006 ذكرت أن الحالات المكتشفة هي /750/ مدمناً من الذكور و/738/ من الإناث، وفي عام 2007 بلغ عدد المدمنين /534/ من الذكور و/523/ من الإناث، وإحصائية عام 2007 إحصائية من 1/7/2007م، ولغاية 30/8/2007م، ولا يتوفر سواها.
وعن حالات الإدمان لدى الوافدين طلباً للعلاج إلى المرصد الوطني لرعاية الشباب، والذي افتتح كمشفى متكامل تخصصي لعلاج الإدمان من المخدرات والكحوليات في عام 2003، وعلى الرغم من قلة إمكانياته التي لا تتناسب وضخامة جهود طاقمه من أطباء وممرضين ومتخصصين يستحقون كل التقدير والتحية، فهناك /206/ حالات إدمان على تعاطي الهيروئين في عام 2006م، و/146/ حالة إدمان دوائي، و/74/ حالة إدمان كحولي، و/6/ حالات على إدمان الكوكائين، إضافة لمدمنين اثنين على تعاطي المشتقات، وعلى الحشيش مدمن واحد.
أما في عام 2007، فهناك /359/ مدمن هيروئين، و/120/ مدمناً دوائياً، و/48/ مدمناً كحولياً، وخمسة مدمنين على الكوكائين.. وعلى المستوى التعليمي، فقد أثبتت الدراسات أم /48/ منهم على إلمام بالقراءة والكتابة، و/15/ درسوا لنهاية المرحلة الابتدائية، و/226/ اجتازوا المرحلة الإعدادية، و/168/ الثانوية العامة، و/48/ من خريجي المعاهد المتوسطة، و/18/ مدمناً من حملة الشهادة الجامعية.
المشكلة في الحجم والكم المحدودين، لدى المركز /29/ سريراً، وإبقاء المدمن تحت العلاج لمدة أسبوع فقط، ولا نعرف الكثير عن مراحل العلاج سوى استلزامها لمدة علاج أكثر بكثير من أسبوع.
بعض الأسباب
هناك عوامل أساسية تساهم في دفع الشباب إلى الإدمان، وتنبع تلك العوامل من المجال الاجتماعي، الذي يوجد ويعيش فيه هؤلاء الشباب، وتبيّن الدراسات والبحوث أن أصدقاء السوء هم دافع أساسي للإدمان، فتساهم جماعات الأصدقاء من خلال العلاقات الاجتماعية إلى تخفيض القيود الداخلية بما يسمح للأعضاء بإشباع حاجاتهم الخاصة بهم بالدرجة التي يمكن أن تحقق بطرق أخرى، وتتأثر الجماعة إلى حدّ كبير بسلوك أفرادها وتطورهم، أيضاً فإن أبرز أسباب التعاطي وبالنسب المئوية 54٪ من المدمنين كان سبب تعاطيهم أصدقاء السوء، ويشكل المتزوجون 51٪ من مجمل عدد المدمنين، و68٪ كان تحصيلهم العلمي ابتدائية وما دون، 71٪ منهم كانت أعمالهم جسدية مرهقة.. والملفت للنظر أن عدد المصابين بالإيدز، كان عدد المتعاطين منهم أقل من 0.3٪ من نسبة المدمنين، وسُجلت /34/ حالة وفاة، والتي يرجع سببها إلى تسمم دوائي أو مواد مخدرة.
ما هي المخدرات؟!
يمكن تقسيم المواد المخدرة إلى ثلاث زمر، أولها: المواد التي لا يجوز تداولها أو وصفها طبياً، باعتبارها مواد مؤذية للصحة العامة مثل: الماريجوانا والهيروئين والحشيشة والميسكالين. أما الزمرة الثانية، فهي مواد مخدرة يجوز تداولها، ولكن لا يجوز وصفها طبياً، كما هو الحال بالمستحضرات الصناعية الدوائية كأوراق الكولا والكوديين، فهي تدخل ضمن سلسلة صناعة الأدوية كمواد أولية. الزمرة الثالثة، تتضمن مواد يمكن تداولها ووصفها بآن معاً، كالمورفين والأفيون، وذلك عند الضرورة الطبية، وتُصرف بموجب وصفة طبية.
أما التأثيرات السلبية، فتكمن في حالة الانقباض، وهي تترافق بالعنف والإيذاء النفسي واضطراب الحواس، هذه تعتبر تأثيرات سلبية مباشرة، وتوجد تأثيرات أخرى غير مباشرة تظهر بآلام جسدية كارتفاع التوتر الشرياني والمغص وألم العضلات والمفاصل والعظام، بعد زوال تأثير المخدر مع ضرر القلب والرئتين والكبد والتسمم، إنذاراً بخطر الموت المفاجىء، والتي يسبقها عادة انفصام الشخصية، ما يؤدي لإهمال الناحية الأسرية والمهنية وفقدان العمل والموارد، إنه موت اجتماعي يعقبه الموت الطبيعي بعد ذلك بصورة مؤكدة.
أما إدمان المخدرات فيقصد به التعاطي المتكرر لمادة مخدرة أو أدوية لمشتقات مواد مخدرة، حيث يكشف المتعاطي عن انشغال شديد بالتعاطي، كما يكشف عن عجز أو رفض للانقطاع، وكثيراً ما تظهر عليه أعراض عضوية أو نفسية إذا ما انقطع عن التعاطي، وتصبح حياة المدمن تحت سيطرة التعاطي لدرجة تصل إلى استبعاد أي نشاط آخر، ويكون تأثيرها مدمراً للفرد والمجتمع، لكن وبالمقابل لا يمكن إنكار تخلف الوسائل التوعوية والوقائية سواء من حيث الحملات الإعلانية أو تحسين الحالة المعيشية لشباب سدت الطرق بوجههم، فاتجهوا للمخدرات كحل وحيد لنسيان همومهم ولينساهم المجتمع بالمقابل بعد قليل من الوقت.
الحذر واجب!!
لا يمكن لأحد إنكار أن ظاهرة الإدمان موجودة، علىالرغم من المحاولات الحثيثة والجهود الجبارة في الحدّ من دخول المادة إلى البلد، والجهود المبذولة في القبض على التجار، الذين يشعلون النار في أجساد أولادنا أو إخوتنا.
وتدخل المخدرات ككل سلعة إلى السوق في منافسة شديدة بين مروجيها، ولا تقتصر المنافسة على النوعية والسعر فقط، بل تتعداها إلى خدمة التوصيل غير المجاني، وعلى الهاتف يمكن أن تصل المادة إلى المتعاطي في بيته أو حارته مقابل زيادة في السعر أو نقص في الكمية، ويتولى العملية «شقيعة» من المدمنين الذين يلجؤون إلى تأمين حاجتهم بالعمل كوسطاء يجلبون «الهيروئين» ويبيعونه لبعض المتعاطين داخل المدن!!.
وسابقاً قبل انتشار الهواتف المتحركة، كان الموعد اللاحق يحدد أثناء التسليم في ساعة يُتفق عليها، وفي مكان يتغير باستمرار من باب التمويه والحذر.
حالات واقعية.. مؤلمة
الحالات الواردة واقعية وأسماء أبطالها تم تغييرها برموز، وأي اشتباه ليس سوى خطأ غير مقصود!!
- أمير، في الـ/27/ من عمره، تاجر سيارات، ومن عائلة معروفة، ترك كلية الحقوق ليلتحق بمجموعة من الدورات في إدارة الأعمال وهندسة الكمبيوتر في بريطانيا وسورية، وبدأ يتعاطى الحبوب المهدئة منذ /7/ سنوات، وعن تلك البداية قال أمير: مرة كنت متضايقاً، وقمت بأخذ نوع من المهدئات، وبعد أربعة أشهر عدت وأخذت، وبعد /7/ أشهر صرت أتناول /6/ حبات في اليوم.
وأوضح أمير: «ماما بتاخد نوع من المسكن بكثرة، وقمت جربت فعطاني شعور بسط، بعدين وصلت لمرحلة آخد فيها 20 حبة بالنهار، وحسيت أنو كل حياتي انقلبت، داق خلقي من العالم وصار مزاجي تعيس، وحب أبقى لوحدي، وأهملت شغلي وحياتي كلها».
وهذه هي المرة الثالثة التي يدخل فيها أمير لمستشفى البشر طلباً للعلاج، أما الحلّ برأي أمير فهو «إنو ارجع على لندن هونيك ما بتعاطى، لأنو حياتي بتصير متل ما بدي، فبظن إنو رح أنسى الحبوب».. فهذا هروب آخر!!.
- أحمد، أب لولدين في الـ/39/ من عمره، يعمل في السعودية «كنجار باطون»، وبدأ بتعاطي الهيروئين من /12/ سنة.
يتحدث أحمد ببطء وينظر إليك وكأنه لا يراك، وقد روى: «رفقاتي عطوني ابرة فيها جرعة صغيرة، جربتها وبعد أسبوعين صرت آخد /7/ غرامات باليوم».
وتابع أحمد: «لما جيت من السعودية كان معي 400 ألف ليرة، وبعد يومين كنت عم اتدين 150 ألفاً مشان أصرف على عيلتي وعلى كيفي».
ولأن أحمد لا يعرف تجار الهيروئين بالسعودية، «هونيك بتعاطى حشيش بس».
أما عن سبب طلبه للعلاج، أشار أحمد إلى أنه «ما عاد معي مصاري، وبنتي صارت صبية وعلى وجه خطبة، وأنا وسمعتي صرنا على الأرض، وحتى مرتي ما عمبقدر برضيها».
- سعدو، صائغ ومتميز بحرفيته العالية، بدأ بالتعاطي أثناء السهرات مع الشباب، حتى تحوّل لمدمن، ويعترف بأن حياته «بشعة ومقرفة» كونه غدا مجرد عبد للمخدرات والأدوية والتجار والموزعين والصيادلة وبعض الأطباء.
ومن الأهمية معرفة أن الإدمان في سورية يأخذ أحياناً طابعاً مزدوجاً على الهيروئين والحبوب المخدرة، ويلجأ المتعاطون المزدوجون إلى الحبوب في البداية كبديل عن الهيروئين، ثم كوسيلة لمضاعفة تأثيره، وينتهي الأمر إلى الإدمان المدمر على كليهما.
وتغص السوق بأنواع كثيرة من الحبوب المخدرة والمصنعة محلياً، حيث تحوّلت تلك الأصناف إلى تجارة غير مشروعة، يمارسها بعض الصيادلة خلافاً للأنظمة والتعليمات، وبأسعار تفوق أسعارها المحددة بعدة أضعاف، وتفرض وزارة الصحة رقابة مشددة على الصيادلة، وتلزمهم بإعداد سجلات تبيّن الكميات المستجرة وكيفية صرفها، ومع ذلك لا يجد المتعاطون صعوبة تُذكر في الحصول على ما يريدونه!!.
إننا نأمل بفتح نقاش وحوار صريح بين مختلف الجهات المعنية، وهذا ما حاولناه، لكن بعض المسؤولين اعتذروا بلطف، وأحالونا لمراجعة مراجعهم لنيل الإذن أولاً، أي الإقامة في دواوين الوزارات لأسابيع، كذا المراجع بالغة الأهمية أي القضائية،
وأخيراً..
وباحتراق «البودرة»، تتبخر عشرات الملايين، ويصبح المستقبل مجرد «سيرنغ» يحمله آلاف المدمنين من الشباب، وتضيع أحلام، وتبدد «نشوة المتعاطي» أخرى، وتملأ السموم الأسواق، وتُرتكب أسوأ وأفظع الجرائم وأكثرها وحشية بحق أبنائه أولاً، وبتأثير تلك السموم ثانياً، ومع كل إبرة أو شمة أو سيرنغ، يضرب الوطن في مقتله، بأيديه العاملة المنتجة ودماغه المفكر، وذخيرته وموطن الأحلام ومنابع الأمل لديه بغد أكرم وأجمل.. الشباب، ولا أحد يطالب بالمستحيل، ولا أظن بأن تحركاً فاعلاً مدروساً، ما دمنا نحرص على ما سبق، من الصعب أو المستحيل.
نحن بأمس الحاجة وفي كل محافظة للجان شعبية ومهنية، طبية وقانونية، وذات طابع رسمي ومرجعية لتقييم الأداء والفاعلية والالتزام بما هو مخطط، بحماس لجان تؤسس وتخطط ومحل مسؤولية لهكذا غرض، وللمساءلة أيضاً من أجل هكذا غرض.. لجان قادرة على فضح هذا الداء وهذه الآفة، وكل من له علاقة بما سبق، من تجار ومروجين ومسؤولين عن ذلك بحكم مهنهم من صيادلة وأطباء، وهذا ما نطلبه ونطمح إليه، ولكن تبقى المبادرة. |