قاد تعليقنا عن الاداء السكاني في زاوية (دون مواربة مؤخراً) إلى حوارات عديدة مع العاملين في صندوق الأمم المتحدة للسكان في دمشق وقد توج بهذا اللقاء مع الدكتورة لينا موسى الممثل المقيم لصندوق الأمم المتحدة للسكان في دمشق وهي متحمسة للعمل في سورية وقد نجحت في تطوير برنامج التعاون مع سورية ليصبح بقيمة 10.5 ملايين دولار وبمساهمة حكومية بنسبة 50٪ وكانت الدكتورة لينا موسى قد بدأت عملها في سورية في نهاية العام 2004 وهي فخورة بالبرنامج الجديد الذي وضع في التنفيذ في العام 2007 وسوف ينجز في العام 2011.
في سياق حوارنا معها طرحنا عليها السؤال التالي..
> ان المشكلة السكانية مزمنة وخطها البياني صاعد في اتجاه التفاقم على صعيد ازدياد عدد السكان وعدم انسجام هذه الزيادة مع النمو الاقتصادي وظهور بنى جديدة ملائمة تقوى على احتضان هذه الزيادة..؟.
>> أجابت: أولاً يهمني أن أؤكد على وجود التزام سياسي في سورية تجاه المسألة السكانية والسعي إلى حل مشاكلها وأود أن أنوه أنني اعتبرت وجودي في سورية تحقق في وقت مناسب ولدينا فرصة مميزة ترجمت بالتزام سياسي على أعلى مستوى تجاه قضايا السكان وهناك جهود مخلصة وجادة لتحقيق التوازن الأمثل ما بين النمو السكاني ومتطلبات التنمية الاقتصادية والاجتماعية بشكل عام، وهذا الالتزام السياسي الحقيقي ترجم إلى التزام مالي إذ زادت مساهمة الحكومة السورية في البرامج الوطنية التي يدعمها صندوق الأمم المتحدة للسكان والالتزام بتوفير الوسائل الخاصة بتنظيم الأسرة من ميزانية الصحة تبلورت هذه الجهود بعدة أطر خاصة بالتنمية وأهمها خطة التنمية العاشرة التي تضمنت بشكل معمق البعد السكاني وإدماج المتغيرات السكانية بخطة التنمية. وفي الحقيقة فإن الأهداف السكانية والاهداف الخاصة بالصحة الانجابية وقضايا النوع الاجتماعي وتمكين الشباب ثم ادماجها في اهداف وبرامج والتوجهات الاستراتيجية للخطة العاشرة، طبعاً هذه هي الأطر الاساسية التي تعزز الجهود الوطنية من أجل ترجمة هذه الاهداف إلى برامج عمل فاعلة ملبية للاحتياجات الوطنية في قضايا السكان والصحة الانجابية والنوع الاجتماعي والشباب بشكل عام.
> ماذا يمكن ان يثمر تنفيذ هذه البرامج على الصعيد السكاني..؟
>> في الواقع البرنامج الحالي الذي يمثل الدورة السابعة من دورات دعم صندوق الأمم المتحدة للسكان للجهود الوطنية يركز بشكل اساسي على دعم الجهود الوطنية من أجل تقليل الفجوات في المؤشرات الاجتماعية والاقتصادية الموجودة في المحافظات السورية ولا سيما صحة الامهات والخدمات الاساسية الأخرى وهو تجسيد لخطة الدولة التي اعطت الاهتمام الأكبر للاستثمار في المناطق الشمالية الشرقية. والبرنامج ما بين صندوق الأمم المتحدة للسكان والحكومة السورية في الفترة ما بين 2007 و 2011 يركز بشكل اساسي على تنمية المنطقة الشمالية الشرقية ودعم جهود وزارة الصحة والجمعيات الاهلية التي تعمل في مجال الصحة الانجابية من أجل توفير خدمات نوعية في الصحة الانجابية التي تتمثل في خدمات الأمومة الآمنة وتأمين رعاية نوعية جيدة للنساء الحوامل وولادة آمنة وتوفير خدمات جيدة على صعيد تنظيم الأسرة والكشف المبكر عن الأورام والاهتمام بالجوانب الخاصة عند المرأة كسرطان الثدي وعنق الرحم ونركز الآن على هذه المواضيع ونؤمن التجهيزات والادوات اللازمة للمراكز المعنية بهذه الخدمات والاستمرار في تطوير الكفاءات لادارة هذه الخدمات وتقديمها.
وتميز البرنامج بأنه لم يقتصر على تأمين التجهيزات وتدريب الفنيين بل ركز على خلق طلب في المجتمعات التي تخدمها هذه المراكز الصحية على خدمات هذه المراكز من خلال تبني منهج فعال أكثر غير تقليدي يؤكد على مشاركة المجتمع المحلي في عملية التوعية والتثقيف وخلق الطلب على هذه الخدمات من أجل النهوض بصحة المرأة والمساهمة في التخفيف من المراضة الناجمة عن الحمل والولادة.
ونتوق ان تساهم هذه الجهود ومع شركائنا الآخرين في خفض معدلات وفيات الأمهات في المنطقة الشمالية الشرقية لا سيما وان هناك مثلما أشرت في الأسطر السابقة فجوات في المؤشرات، فعلى المستوى الوطني ثمة 58 حالة وفاة لكل مئة ألف ولادة في حين ان هذا المؤشر في دمشق 34 حالة وفاة، وفي دير الزور والحسكة يوجد 81 حالة وفاة لكل مئة ألف ولادة.
> هل لديكم مراكز مستقلة تؤدي هذه الادوار أم انكم تعملون من خلال المراكز الصحية لوزارة الصحة..؟.
>> اننا ندعم البرامج الوطنية، وهدف عمل الصندوق بناء النظام الصحي ويتركز همنا على فائدة المواطن.
> تؤكد ارقامك ان الاداء في المناطق الشرقية أدنى كفاءة وفعالية سواء بسبب غياب الانضباط والمواطنة والافتقار إلى الكوادر بالمقارنة مع المناطق الأخرى فكيف ستنجح مساهمتكم في تغيير الارقام نحو الأفضل..؟.
>> أنا أحب ان اتكلم من منطلق ايجابي لأن الجهات الوطنية هي من صمم البرنامج وهي ملتزمة التزاماً كاملاً بالنهوض بالواقع الصحي للناس الذين يعيشون في المنطقة الشمالية الشرقية وهذا ما يشجعنا على الالتزام بهده المنهج.
عندي ثقة كاملة ان هناك التزاماً من شركائنا الوطنيين ولي تجربة مميزة معهم فقد شعرت خلال إقامتي هنا بوجود التزام مشجع، وهذا ما يجعلنا كجهات دولية وصندوق أمم متحدة للسكان نوسع هذه الانشطة ونزيد الاستثمارات بهذا الجهد الوطني المميز.
إن التركيز سيكون على الدعم المؤسساتي والدعم الفني ولدينا شراكة واسعة مع وزارة الصحة والجمعيات الأهلية.
> لفت انتباهي في حديثك أنكم تسعون إلى خلق اقبال على الخدمات النوعية التي سوف تساهمون بها وتؤمنون لها الادوات والتجهيزات فكيف ستقوون على خلق هذا الاقبال..؟.
>> قلنا إننا نركز على دعم الجانب المؤسساتي والتجهيزات ونوعية الخدمات وتطوير الكوادر البشرية، ومن الدروس المستقاة من عملنا في هذا المجال لمسنا ان الاقبال على الخدمات ليس بالمستوى المطلوب ربما بسبب غياب هذه الخدمات سابقاً أو مستوى جودتها إضافةً إلى موروثات وعادات وتقاليد وثقافات معينة لا تشجع على الاقبال على الخدمات الصحية وهي بالاساس خدمات أمومة وخدمات اساسية لانقاذ الامهات والاطفال لأنه لا يمكن ان نقبل في القرن 21 وفاة سيدات بسبب مضاعفات الحمل والولادة على الرغم من ان الدراسات أكدت ان 92٪ من وفيات الامهات يمكن تجنبها لو توفرت الرعاية الصحية بشكل جيد وتأمنت الولادة على يد مدربة كما ان دراسة وطنية قامت بها وزارة الصحة وجهات اكاديمية وشركاء وطنيون أكدت النتيجة ذاتها، ان هدفنا من هذا البرنامج دعم الجهود الوطنية، وزارة الصحة التي تقوم بدور مميز ورائع ومديريات الصحة في المنطقة للنهوض بالخدمات لكن هذا غير كافٍ لا بد من الاستثمار في المجتمع المحلي، ونشر الوعي ضمنه ونحن كصندوق أمم متحدة للسكان نؤمن ان الجانب الثقافي يلعب دوراً كبيراً في سلوكيات الناس بخصوص الحمل والولادة وتنظيم الأسرة والخدمات الخاصة بالصحة الانجابية واعترافاً من الصندوق بأهمية هذه العوامل فإنه يبني نهجه في التوعية والتثقيف على استخدام القيم الدينية والمجتمعية الرائعة الموجودة في هذه المناطق من أجل تعزيز سلوكيات صحية تحقق رفاهية الأسرة وصحة الأم.
ولقد قام فريق وطني بدراسة لهذا الموروث وترجمت نتائجها للقيام بمبادرات توعية وتثقيف بمشاركة المجتمع المحلي، بمعنى انه سيتم العمل مع المنظمات الأهلية الموجودة هناك ورجال الدين من أجل دعمهم ومؤازرتهم للقضايا الانسانية التي يقوم بها الشركاء الوطنيون الذين يهدفون إلى تقليص وفيات الامهات والاطفال.
> ما هي ملامح هذا البرنامج..؟.
>> إن حملة التوعية والتثقيف تركز على الأمومة الآمنة وقضايا تنظيم الأسرة ومشاركة الرجل في هذه البرامج فهي ليست موجهة للمرأة فقط بل للأسرة بشكل عام، ويهمنا ان يشارك الرجل في قرارات الانجاب وتنظيم النسل والرعاية الصحية التي تنعكس على الأسرة بشكل عام.
إننا نسعى إلى بناء القدرات للمنظمات الأهلية التي ستعمل معنا بالتجهيزات وبتوفير المعارف اللازمة ونسعى إلى التعرف إلى العناصر الفاعلة في المجتمعات المحلية كي يكونوا الصوت القوي، ونحن لن ننفذ أكرر أن دورنا ليس تنفيذياً إننا نقدم الدعم ونثق بشركائنا.
> ماذا نُفذ من هذا البرنامج حتى الآن لا سيما وأنه قد بدأ في العام 2007..؟.
>> إن 70٪ من هذا البرنامج يركز على الصحة الانجابية وباقي فعاليات البرنامج تُعنى بالنوع الاجتماعي والمساواة ما بين الرجل والمرأة لتمكين المرأة للقيام بدورها الانجابي والانتاجي بشكل فاعل.
أما المجال الثالث في هذا البرنامج فهو دعم وتطوير البرنامج والسياسات والاستراتيجيات السكانية والانمائية التي تشتمل على جمع البيانات وتحليلها ووضعها في الاستراتيجيات الانمائية. اضافةً إلى البرنامج الوطني لدينا مساهمة كبيرة في تقديم المساعدات الانسانية للمهجرين العراقيين الذين تستضيفهم سورية وبهذه المناسبة أود أن اشيد بجهود الحكومة السورية والهلال الأحمر السوري بتقديم نوعية نادرة من الدعم الانساني واستضافتهم لهذا العدد الكبير من المهجرين، إننا ندعم المؤسسات الوطنية وشريكنا الاساسي وزارة الصحة والهلال الأحمر ونقدم خدمات الصحة الانجابية للعراقيات.
> برأيك هل اثرت برامج الصحة الانجابية تأثيراً جدياً على معدلات النمو السكاني..؟
>> إن من أهم المؤشرات التي حددت في الالفية الثالثة ان الاستثمار في الصحة الانجابية هو أكبر عامل سيكون له اثر إيجابي على النمو السكاني.
> كيف..؟.
>> أنت عندما تستثمر في صحة المرأة فإنك تستثمر بصحة أسرة كاملة، وبنفس الوقت فإن برامج تنظيم الأسرة هي من أهم العوامل الصحية والانجابية، ففي سورية هناك حاجة غير ملباة لتنظيم الأسرة حوالي 30.6٪ بمعنى ان هناك عدداً كبيراً من الازواج لديهم الرغبة في استخدام وسائل تنظيم الأسرة لكنهم لا يستخدمونها لعدم توفرها في متناول أيديهم، إننا إذا استطعنا تفعيل برامج تنظيم الأسرة من ناحية الخدمات والمعلومات والتوعية والتثقيف لاستطعنا تلبية هذه الاحتياجات غير الملباة.
إن الهدف من تنظيم الاسرة ينطلق من أننا نعتبر ان تنظيم الاسرة حق من حقوق الانسان ، بل أبسط حق للزوجين ان يقرروا بحرية كاملة عدد الاطفال الذين يرغبان في انجابهما وفترات التباعد بين الاحمال وحقهم في الحصول على الخدمات.
لقد بينت الدراسات ان الاستثمار في تنظيم الأسرة له نتائج إيجابية كبيرة على الوضع الصحي بشكل عام، وعلى تخفيض معدل الانفاق على القضايا الخاصة بالمراضة.
> ولكن هل يؤثر على النمو السكاني ومعدلاته؟.
>> لا بد ان يؤثر على هذا المعدل، نحن نركز ايضاً على الاستثمار في الشباب لأنهم يمثلون 5/1 السكان في سورية وفي المنطقة العربية.
انت عندما تستثمر في تعليم الشباب واعطائهم المهارات والمؤهلات التي يقوون من خلالها على مواجهة التحديات المالية سيكونون بعد ذلك أكثر مسؤولية على اتخاذ القرارات الخاصة في أسرتهم وأكثر قدرة على الانتاج.
> أود ان استفسر هل ساهمتم كصندوق سكان بالتعليم المهني لا سيما وانك تحدثت عن الشباب المنتجين..؟.
>> نحن لم نسهم بشكل مباشر في التعليم المهني لكننا دعمنا جهود الهيئة السورية لشؤون الأسرة بمشاركة واسعة من هيئة تخطيط الدولة والمكتب المركزي للاحصاء ووزارات الصحة والاعلام والتعليم العالي قاموا مجتمعون ببحث نوعي مميز نتجت عنه نتائج مفيدة تناولت جوانب التعليم والعمل والصحة والمشاركة المجتمعية في حياة الشباب ويتم حالياً تعميم هذا البحث على متخذي القرار للاستفادة منه لتطوير وبلورة سياسة وطنية للنهوض بواقع الشباب وتمكينهم.
إننا نؤكد أهمية الاستثمار في تعليم الشباب وفي تنمية الشباب وفي مشاركة الشباب ليس فقط لأنهم يشكلون قوة اجتماعية مهمة في وضعنا الحالي بل لأنهم المستقبل.
محرر صفحة قضايا سكانية
أهم ما يميز سورية وجود التزام سياسي على أعلى مستوى تجاه قضايا السكان . |