يطلقون عليها في دمشق لقب «أب الفقير» وسوق محدودي الدخل.. إنها سوق محلة باب سريجة التاريخية القديمة التي تمتد من سور «المدينة القديمة» عند باب الجابية وحتى منطقة شارع خالد بن الوليد بالقرب من منطقة القنوات التاريخية شرقا وغربا وبطول نحو كيلومتر مع تفرعاته. والسوق التي تضم نحو 1000 دكان تخصص أصحابها في بيع المواد الغذائية وأهمها الخضار والفاكهة والمخللات واللحوم البيضاء والحمراء والأجبان والألبان والزيتون الأخضر والأسود، كما تخصصت بعض دكاكينها في بيع وتحضير التسقية والفول والمسبحة والفلافل. وهي تشهد في الأيام العادية ازدحاما شديدا من قبل المتسوقين خاصة الفقراء والموظفين منهم لأن أسعار البضاعة في محلاتها رخيصة نسبيا إذا ما قيست بأسعار أسواق دمشق الأخرى. وفي شهر رمضان يتضاعف عدد المتسوقين من زبائن سوق باب سريجة، الذين يقصدونها من مختلف حارات دمشق لشراء مستلزمات تحضير طعام الإفطار والسحور.
أما منطقة باب سريجة العريقة، التي اشتهرت السوق فيها بشكل رئيسي وتضم حارات وأزقة متعددة، فهي منطقة قديمة تعود للعصر المملوكي.. كما يؤكد المؤرخون. وقد بنيت خارج سور «المدينة القديمة» لتشكل واحدة من الضواحي الراقية في ذلك العصر في الجهة الجنوبية الغربية منها. وقد سكنها أحد ولاة العصر المملوكي، واسمه التيروزي، الذي أنشأ فيها جامعا وحماما ما زالا قائمين وبحالة معمارية ممتازة في أحد أزقة باب سريجة. أما الباب الذي تحمل المحلة اسمه فهو واحد من بوابات دمشق الأربع (باب الصالحية وباب مصلى وباب الميدان وباب سريجة) المضافة لبواباتها السبع الرئيسة القديمة، وهي باب شرقي وباب توما وباب الجابية وباب كيسان وباب السلام وباب الفراديس وباب النصر. وتبعا للمؤرخين فقد أخذ مسمى سريجة من السرج، وذلك لتخصص حرفييها ومحلاتها - منذ إنشاء المحلة - بصنع القفف، التي كان يقبل على شرائها فلاحو غوطة دمشق فيضعون فيها منتجاتهم الزراعية. وهي، كما يذكر الباحث منير كيال، كانت تصنع من القش أو الخوص والكاوتشوك، ولها شكل مستطيل، وكانت مفتوحة من ناحية العرض حتى إذا وضعت على ظهر الدابة وفتحت أخذت شكل عدلين..عدل إلى الجانب الأيمن من الدابة وعدل آخر إلى الجانب الأيسر. وقد عرف الواحد من العدلين باسم «سريجة». ونظرا إلى المحافظة على مقاييس السريجة فقد عدت وحدة حجم متعارف عليها فيقولون «سريجة بطاطا» أو «سريجة كوسى» وغير ذلك.
ولكن، مع تراجع الاعتماد على هذه القفف والسريج من قبل الفلاحين في النصف الثاني من القرن العشرين المنصرم، تراجع تصنيعها.. وبالتالي، تغير تخصص سوق باب سريجة فتحول إلى بيع الخضار واللحوم. وارتبط أصحاب دكاكين السوق مع فلاحي الغوطة بعلاقات صداقة مما جعل الفلاحين يسوقون خضارهم ومنتجاتهم الزراعية إلى معارفهم من أصحاب محلات باب سريجة.. الذين كانوا يتعاملون معهم في السابق من خلال السروج. ومن هنا اشتهرت السوق برخص أسعار معروضاتها كونها تأتي مباشرة من المزارعين وليس عن طريق وسطاء سوق الهال.
طريف الأيوبي، وهو شقيق الممثل السوري المعروف طلحت حمدي (الأيوبي) يسكن منطقة باب سريجة منذ نصف قرن. وفي لقاء مع «الشرق الأوسط» قال موضحا أهمية هذه المحلة وعراقتها: «تعتبر باب سريجة من مناطق دمشق التاريخية وسكنتها كبريات العائلات الدمشقية مثل آل العسلي وأبوقورة قبل أن تتركها لكي تستقر في الأحياء الحديثة التي أسست وكبرت خلال السنوات الأربعين الماضية كالمزة والمالكي ودمّر وغيرها. وبالتالي، بقيت في المحلة الأسر الفقيرة وتلك التي جاءتها من مناطق دمشق الأخرى والمدن السورية والقرى القريبة والبعيدة. ولذلك اعتبر سوقها (أب الفقير)، كما هي حال سوق الشيخ محيي الدين في منطقة الصالحية على سفوح جبل قاسيون». وتابع «..ولكن في السنوات الأخيرة حول بعض أصحاب محلات تجارتهم إلى أنواع من البضائع المرتفعة الثمن فتحولت السوق إلى خليط من عارضي البضائع الشعبية مع تلك الثمينة مع البضاعة الوسط. والمميز أيضا للمحلة أنها تشكل سوقا متكاملة حيث تتوفر فيها كل الخدمات والمهن حيث فيها الحداد والنجار والحلاق والطبيب والصيدلي والسباك وفني التصليح. وبناء عليه فلا حاجة للقاطنين فيها إلى الذهاب إلى الأسواق الأخرى لتأمين متطلباتهم. ولكن تبقى صفة السوق الغالبة عليها أنها متخصصة في الخضار والألبان والأجبان التي تتميز في باب سريجة بأنها الأجود من كل أسواق دمشق، ولذلك يأتي العديد من الناس لباب سريجة لشراء الجبنة واللبنة ليس لرخص أسعارها فقط بل لجودتها ومذاقها اللذيذ.. واشتهر بشكل خاص فيها منذ نصف قرن (محل المرجة) المتخصص في الألبان والأجبان والزبدة البلدية».
وعلى الرغم من شهرة باب سريجة التجارية والاقتصادية، خاصة بين الناس البسطاء والفقراء، فإنها - كأي منطقة تاريخية في دمشق - تضم العديد من الأوابد التاريخية الهامة، ومنها حمامات السوق التاريخية التي ما زال بعضها يعمل ويستقبل المستحمين مثل: حمام عز الدين والحمام الجديد وحمام التيروزي. ثم هناك من المساجد جامع الصلخدية، نسبة إلى أهالي صلخد في جبل العرب، إذ كان القادمون من السويداء ومناطقها كصلخد إلى دمشق يربطون خيولهم في ساحة قرب الجامع تعتبر كـ«كاراجات» الانطلاق حاليا. كذلك هناك ما يسمى بـ«درب السلطان» وهو طريق تاريخي يربط باب سريجة بمنطقة الفحّامة، وسبب تسميته أن حاجب الحجاب في العصر المملوكي كان يسير عليه بعربته أو سيرا على قدميه حتى يصل لمنزله في حي باب سريجة. ومن الأوابد التاريخية الأخرى المهمة في باب سريجة هناك جامع التيروزي الذي بناه مع الحمام صاحب الحجاب بدمشق الأمير المملوكي غرس الدين خليل التوريزي. ويشير النقش عند بابه إلى أمر بنائه سنة 823هـ - 1420م. وللعلم فإن تخطيط الجامع جاء مختلفا عن تخطيطات جوامع دمشق إذ إنه يفتقر إلى صحن واسع.. وواجهته مبنية بأحجار ذات لونين مختلفين، وهو مزين بالزخارف والكتابات العربية والخطوط الهندسية في جدران المصلى. كما تتميز نوافذه بزجاجها المعشق والملون.
|