يمكن القول إن تصريحات وزير الخارجية الإسرائيلي المتطرف أفيجدور ليبرمان والتي شكك فيها من جدوى المفاوضات المباشرة وفرص التوصل إلى اتفاق سلام مع الجانب الفلسطيني والذي من المؤمل أن يتم التوصل إليه خلال عام ـ حسب المهلة التي حددتها الولايات المتحدة ـ، جاءت لتؤكد حقيقة حالة عدم التفاؤل بشكل كامل والتي أبداها ويبديها المتابعون وحتى أشد المتشائمين بأنها مجرد مفاوضات عبثية تهدف منها حكومة الاحتلال الإسرائيلي إلى توفير غطاء دولي على إجراءاتها المنافية لعملية السلام والتي تسابق بها الزمن من أجل إحراز وقائع جديدة على الأرض تسعى من خلالها إلى وضع الفلسطينيين أمام الأمر الواقع، بهدف إكراههم وإجبارهم على القبول به إن أحبوا خيار التفاوض وعلى الفتات الذي يتفضل به عليهم الاحتلال، حيث تشهد مدينة القدس والضفة الغربية المحتلتان وتيرة متسارعة لم تعهدهما هاتان البقعتان الفلسطينيتان من قبل من حيث التهويد وانتشار سرطان الاستيطان واقتلاع جذورهما العربية والإسلامية وسلخهما عن هذه الهوية في عملية مسح واسعة للذاكرة الفلسطينية والعربية والإسلامية.
إن تصريحات الوزير رئيس حزب إسرائيل بيتنا اليميني المتطرف والتي تساءل فيها "ماذا فعلنا خلال السنوات الـ17 الأخيرة منذ أوسلو (اتفاقات الحكم الذاتي)؟ وفجأة سنتوصل إلى اتفاق سلام خلال عام؟". ليست بجديدة فقد سبق لليبرمان أن رددها قبل فترة ليست ببعيدة، ما يعني أن هذه التصريحات هي تعبير عن موقف إسرائيلي رسمي وشعبي، أي أن المتفق عليه إسرائيليًّا أن لا مفاوضات تجرى إلا وفق الرؤية الإسرائيلية والشروط الإسرائيلية، وغير ذلك لا مكان ولا مجال لمطالب أخرى، سواء كانت فلسطينية أو عربية أو دولية، وإلا عُدَّت شروطًا مسبقة تقوض المفاوضات. ولذلك نجد أن مجرد المطالب الفلسطينية دأب الكيان الإسرائيلي على وصفها بـ"الشروط"، فقد قال ليبرمان إن إصرار الفلسطينيين على عدم مواصلة المفاوضات إذا واصلت "إسرائيل" أعمال البناء في الضفة الغربية والقدس الشرقية "من الشروط المسبقة الصعبة" التي من شأنها تقويض المحادثات، مضيفًا "من يفرض مبدأ (كل شيء أو لا شيء) سينتهي به الأمر إلى الحصول على لا شيء".
وفي ذلك مغالطة، إذ من يفرض كل شيء ولا شيء غيره هو الجانب الإسرائيلي، وعندما حاول الفلسطينيون التمترس عند مطالبهم أو التوجه إلى المفاوضات المباشرة بمرجعيات وجدول أعمال أقامت الولايات المتحدة وحكومة الاحتلال الدنيا ولم تقعدها ضدهم وتوعدتاهم بالويل والثبور وعظائم الأمور.
وفي الحقيقة الإسرائيليون لا يتحملون اللوم بشكل كامل وإنما يتقاسمه معهم الرعاة الدوليون وفي مقدمتهم الولايات المتحدة الذين وفروا مظلة دولية للمراوغات الإسرائيلية، وأيضًا خارج هذه المظلة موقف عربي هزيل وضعيف وعاجز، ما أعطى الإسرائيليين الفرص لأن يتنمروا ويتنصلوا ويناوروا ويفصلوا الشروط وفق مقاييسهم الخاصة، وأصبحوا مقتنعين بأن الفلسطينيين سوف يأتون إلى المفاوضات مرغمين دون رداء يسترهم، ولذلك فإن تصريحات ليبرمان يهدف من ورائها إرسال إشارات إلى حلفاء كيانه المحتل بأن جهودكم ستذهب سدى في ظل عدم التدخل وإجبار الفلسطينيين على التخلي عن طلب وقف الاستيطان أو تجميده والاعتراف بـ"يهودية إسرائيل"، وهكذا يصطاد الإسرائيليون في المياه العكرة. فهل يا ترى ستقع الولايات المتحدة في هذه الشباك الإسرائيلية؟ مع أننا في اعتقادنا سواء وقعت أم لم تقع، فإن الإسرائيليين قد كتبوا نهاية غير سعيدة للمفاوضات المباشرة حتى قبل أن تبدأ.
رأي الوطن العمانية
|