ما الفائدة من العودة إلى ماض مضى.. نحن أولاد اللحظة.. وحاكمونا عن المستقبل..؟!
هذا المنطق العملي الذي تعرفه حياتنا الإدارية والعملية، كثيراً ما يبدو راية تضليل... وهروب من المسؤولية.
الراهن سيصبح ماضياً والمستقبل أيضاً.. وبالتالي إن غضضنا النظر كلياً عن الماضي لأنه مضى.. نحن نغض النظر عن الفشل والتقصير والتردي الذي قد يواجه حياتنا.. إلى درجة تسوء فيه إلى حد بعيد إمكانية رؤية القادم.
لا تحاسبونا على الماضي.. حاسبونا على القادم..؟!
كيف؟!
إذا كان الماضي قائماً فينا حاضراً أو قابضاً على مستقبلنا، ماذا ننتظر؟!
على الأقل دعونا نواجه أصحاب بيانات المستقبل الموعود، بما قالوه في الماضي وطلبوا منا أن ننتظرهم كي يثمر بين أيدينا حياة جديدة.. دعونا نعترف.. أن في حياتنا سلسلة حاضر يكرر الماضي ويكذب على المستقبل.
الماضي موجود راهن حتى في البيانات والتصريحات التي تتحدث عن المستقبل..؟! هي نفسها.. ربما أحياناً بمصطلحات جديدة وليست جديدة.. وكثيراً ما لا يعذبون أنفسهم حتى بالمصطلحات.
كيف سيقرأ المواطن العادي.. المتابع.. الدارس.. المحلل.. الباحث.. الوصي.. المراقب.. الخ.. كيف سيقرأ كل هؤلاء، بيانات المستقبل دون اعتبار لما قيل في الماضي وما أنجزه الحاضر..؟!
في بيان.. في تصريح.. في توصيات.. في.. الخ.. لا داعي حتى لطباعة الورق.. ارجع إلى الماضي.. الدورة السابقة.. الندوة السابقة.. الندوة الفائتة.. المؤتمر الذي كان.. ورشة العمل.. الخ.. أرجع لها.. إلى ما قبلها وما قبل قبلها.. هو الكلام ذاته..
لماذا؟!
لأننا لا نحاكم الماضي.. ويمضي كل بما فعلت وما «كسبت» يداه ويتركنا نحلم بمستقبل يتحدث عنه حاضر يقيم فيه الماضي دون تردد.
الناجحون.. وهم في بلدنا كثر .. لا يخافون الماضي.. بل على العكس يستخدمونه للدلالة على صدق حاضرهم وتفاؤل مستقبلهم.
هناك مسؤول .. سيرتاح تماماً إن أعطيته الحاضر بمقارنة الماضي.
وهناك مسؤول سيرتعب إن حسبت كلامه الراهن بحسابات ما أنجز كلامه الماضي.
وبالتالي لا بد من محاكمة الماضي كي لا يشعر أحد أنه يستطيع أن يهرب بما وعد به.
إن الذين أشبعونا كلاماً عن أيام أخرى قادمة.. طابعها مختلف.. وإنجازاتها كثيرة.. مازالوا يدلون بدلوهم.. والآلية ذاتها.
بل الأخطر أن هذه الآلية ثبتت أقدامها أكثر في فرز الكفاءات الحقيقية محاولة أن تلقي بها خارج الميدان.. لتكون الفرص أعرض أمام العلاقات العامة.. حفلات.. سهرات.. هدايا.. دعوات.. ولا شيء من الجيبة.. كله من خزينة هذه الدولة التي لا شك أنها من أهم الدول، إذ استطاعت أن تتحمل كل ذلك.
في هذه الدولة يد تعمل بالتأكيد.. رجال ونساء لا يخشون ماضياً أو حاضراً..
ويتجهون إلى المستقبل بالإرادة ذاتها..
ليست كارثة أن نواجه إشكالات ومشكلات اقتصادية وإدارية.. العالم كله يواجه مشكلات اقتصادية وإدارية وما دفعه الناس هناك نتيجة الأخطاء الكارثية لإداراتهم أكثر بكثير مما دفعناه هنا..
لكن المشكلة، تلك الرؤوس كثيرة الكلام قليلة الفعل.. عاتبة على الناس لأنهم لا يستمعون، وينقلون الشرح الطويل، وينسون ما قيل في الماضي. هؤلاء هم الذين سماهم السيد الرئيس بشار الأسد يوماً «الانتهازيين» من أين لهؤلاء كل هذا البذخ والفلتان.. لولا الأيدي التي تعمل و«تشيل» هذا البلد عاماً وراء عام .. وعقداً وراء عقد.. متحدية الأصوات التي مازالت تتوقع لنا الإفلاس.. منذ كنّا الدولة التي لا تخضع.. صاحبة القرار السيد المستقل. وأسوأ ما فيهم أن يحدثوك عن المستقبل.. أي مستقبل ذاك الذي يمكن أن يكون إن لم يفرّ من أيديهم خارجاً على إرادتهم؟!
نبع من المال ينفق في كل الاتجاهات غير النافعة والضارة أحياناً، وتجف السواقي لمكافأة عامل أو إصلاح خط هاتفي في مؤسسة .. من سيسأل؟!.. ومتى..؟!
هذا المال لهذا العامل وهذا الذي ينفقه بهذه الطريقة لص.. ولا بد أن نحسم معركتنا مع اللصوص، بفرض الحصار عليهم عبر السؤال:
عن الماضي.. عن الحاضر.. عن المستقبل.. عن كل ما قيل ولم يتحقق.
بقلم: أسعد عبود
|