أثبتت طهران بأنها قادرة على تكريس نوع من الردع الاستراتيجي بينها وبين كل من تل أبيب وواشنطن.
بما يقنع عاصمة مثل موسكو بتجاوز المحظور والإذعان بضرورة تشغيل محطة بوشهر قبل مقامرة تكرار واقعة مفاعل تموز العراقي واحتمال نشوب حرب كونية ربما كانت روسيا ضحيتها الأولى!
فالأنباء التي كان يتم تسريبها بشكل شبه يومي من أروقة القيادة الإيرانية العليا بأن التعليمات كانت صارمة وحازمة وجازمة إلى جميع القطعات بأن تكون في أعلى جهوزية لشن حرب عالمية ضد الولايات المتحدة والكيان الصهيوني في حال تجرأ أحدهما أو كلاهما بمهاجمة محطة بوشهر النووية!
هكذا كان مسرح عمليات منطقة بوشهر وبندر عباس وكل المياه الخليجية الدافئة وصولاً إلى شواطئ بحر عمان والمحيط الهندي وصولاً إلى باب المندب والبحر الأحمر!
فطبول الحرب واحتمال توجيه ضربة لمفاعل بوشهر كانت تصم الآذان، والضغوط السياسية التي مورست على طهران أولاً لتقديم تعهد بوقف التخصيب على مستوى العشرين بالمئة، وتلك التي مورست على موسكو ثانياً للاستمرار في المماطلة والتأجيل على طريقة تأجيل تسليم منظومة صواريخ اس 300 كانت قد وصلت إلى حدها الأقصى، لكن القيادة الإيرانية العليا ليس فقط ظلت كلمتها واحدة لم تتغير، بل إنها ذهبت إلى أبعد من ذلك عندما أصدرت تعليمات واضحة ومبكرة جداً في اللجوء إلى خيارات تجعل من الخيار الروسي يصبح في خبر كان فيما لو قرر الاستمرار في لعبة المقايضة والمماطلة!
ففي منظومة الدفاع لجأت القيادة العليا إلى خيار الحرب اللامتماثلة، وهي التي أفرزت كل تلك الانجازات التي تخرج إلى العلن تترى والتي يفترض أن تكتمل في أي لحظة بمنظومة دفاع جوي متطور تجعل من خيار اس 300 الروسي خارج نطاق الاحتياجات الفعلية الإيرانية!
وبينما كانت القيادة الإيرانية تسارع الخطا للذهاب بعيداً في خيار تسريع التخصيب من خلال إدخال منظومة جديدة من أجهزة الطرد المركزي المتطورة ما كان يعني أن يصبح موضوع الحاجة إلى الوقود النووي الروسي منتفياً أيضاً، فإذا بالشريك الروسي يعلن قراره النهائي بافتتاح المحطة أياً كانت العواقب والضغوطات الغربية والصهيونية!
وحسناً فعلت موسكو باتخاذها لهذا القرار وقبل فوات الأوان لأن أي مماطلة جديدة كان سيعني فيما يعني بأن فرصة التعاون الإيراني- الروسي في مجال محطة بوشهر كان يمكن أن يتحول من فرصة ذهبية لروسيا إلى تهديد مزدوج اقتصادي- سياسي استراتيجي من شأنه أن يغير قواعد اللعبة الدولية من حول الملف الإيراني!
وهكذا تكون إيران مرة أخرى قد أثبتت أن التمسك باستقلالية القرار السياسي والصبر الاستراتيجي والثبات في الموقف والمثابرة في الدفاع عن المبادئ وثقافة المقاومة يثمر (تخصيباً ووقوداً وطاقة نووية) وردعاً استراتيجياً على الأرض!
وهذا الكلام لم يعد اليوم مجرد دعاية ايديولوجية لا عرض نظري مجرد ولا رؤى رغبوية لطالما اتهمنا بها كلما أشرنا إليها في أوقات سابقة!
فهاهو ما يسمى بالمجتمع الدولي يضطر للقبول ولو على مضض بإيران عضواً جديداً رسمياً في النادي النووي الدولي والأهم من ذلك يذعن ولو مستنكفاً بأن لا حل لمشكلاته أو خلافاته مع إيران إلا بالتحلق حول طاولة حوار لا شروط مسبقة فيها!
ولنكن واقعيين فإن هذا لم يكن ممكناً لولا إصرار القيادة العليا على المضي قدماً في الصناعات الدفاعية الرادعة في البر كما في البحر كما في الجو، وآخر ما كشفته طهران هو الطائرة المقاتلة النفاثة من دون طيار (كرار) والقادرة على حمل صواريخ كروز مدمرة تستطيع الوصول إلى كل قواعد الخصم المتجاور معها بالإكراه أي القواعد الأميركية كما الوصول إلى كل نقاط الكيان الصهيوني!
بالعودة قليلاً إلى الوراء فقط يمكنكم التذكر كيف أن أبرز وزراء خارجية الدول الغربية الكبرى وبضوء أميركي أخضر طبعاً اجتمعوا في قصر سعد آباد شمال طهران وكيف أنهم استطاعوا في لحظة غفلة أو ضعف أن يقتنصوا من المفاوض الإيراني وقتها قراراً في وقف التخصيب لمدة ما يقارب العام والنصف -في حقبة الرئيس السابق محمد خاتمي- مقابل القبول بها عضوا (طبيعياً) في معادلة (المجتمع الدولي) المزعوم ظناً منهم بان ذلك من شأنه أن يوقف إرادة طهران الاستراتيجية الحازمة بضرورة تشكيل الدورة النووية الكاملة مهما كلف ذلك من ثمن!
بالطبع لقد ضيع الغربيون الفرصة في حينها بأنفسهم عندما لم يفوا بتعهداتهم بعد أن اعتقدوا للحظة أن بإمكانهم من خلال لعبة الخداع والتضليل أن (يطفئوا) شعلة الدورة النووية الإيرانية (كما يطفئ الواحد منا كعب سيجارته) كما عبر احد المتحدثين الغربيين في دورة مفاوضات لاحقة لذلك الاجتماع الشهير الآنف الذكر ظناً منهم بأن إيران قد رضخت تماماً لشروط التبعية الغربية!
لكن الأمر سرعان ما تغير واستعادت إيران زمام المبادرة بسبب صبرها الاستراتيجي وثباتها على المبادئ ومثابرتها في التفاوض الطويل النفس دون كلل أو ملل والمزج بين الحزم السياسي والحنكة الديبلوماسية إلى أن أكملت دورتها النووية كاملة كما غدت عليه اليوم.
إن ضخ الوقود النووي في قلب مفاعل بوشهر لأجل إنتاج الكهرباء بواسطة الطاقة الذرية، مع احتفاظ إيران بحقها المبدئي في تخصيب اليورانيوم والذي تكفله لها اتفاقية حظر انتشار الأسلحة النووية الموقعة عليها منذ أكثر من ثلاثة عقود، ومن ثم رفعها لهذه التقنية إلى درجة التخصيب بنسبة عشرين بالمئة وهو ما تكفله لها الاتفاقية نفسها وإعلانها الصريح والواضح والشفاف بأنها ستستمر في إنتاج الوقود النووي عبر عملية التخصيب العالي والتحضير لبناء عشر محطات نووية أخرى تشبه محطة بوشهر، لا يمكن وصفه إلا كما سبق ووصفناه أكثر من مرة بأنه القرار الأكثر أهمية وخطورة من قرار تأميم النفط الشهير الذي اتخذته طهران في زمن حكومة الراحل محمد مصدق الوطنية في بداية خمسينيات القرن الماضي!
كيف؟ ببساطة ووضوح لأن إيران ما بعد الحادي والعشرين من آب 2010هي غير إيران ما قبل الحادي والعشرين من آب 2010 وإليكم الشرح المختصر الآتي:
- إن ما يسمى بالمجتمع الدولي فشل فشلاً ذريعاً في اللعب على وتر ما يسمى بخطورة وانحرافية المشروع النووي الإيراني نحو التسلح والذي كان يهدف عملياً لمقايضة إيران بقبولها (عضواً عادياً) ومقبولاً في هذا المجتمع مقابل تخليها عن الطاقة البديلة أي إقفال محطة بوشهر سلماً أو تعطيلها حرباً من خلال الأداة الصهيونية، لكن ذلك يذهب اليوم أدراج الرياح مع افتتاح هذه المحطة رسمياً بعد أن عطلت إيران كل الذرائع الغربية في هذا السياق وأنهكت روسيا في سباق الصبر الاستراتيجي ما أحرجها فأخرجها من سياق المماطلة وكذلك المقايضة التي لطالما كانت السبب في تأخير لحظة انطلاق منشأة بوشهر!
- إن ما يسمى بالمجتمع الدولي أذعن كذلك ولو بالإكراه بأن ما هو حق لإيران في التخصيب بالنسبة التي تريد من أجل سد حاجتها الداخلية من الوقود النووي لصناعة الطاقة البديلة أصبح أمراً واقعاً وأنه لم يعد منطقياً مطالبة إيران بالتراجع عنه في أي مفاوضات مستقبلية من الآن فصاعدا، لأن الحاجة إليه أصبحت جزءاً من قاعدة العرض والطلب التجارية تماماً كما هي حاجة أي مستهلك وهو إيران في هذا السياق لأي مصدر وهو روسيا في هذه الحالة والتي ليس بينها وبين إيران سوى مذكرة تفاهم لتأمين الوقود النووي لمدة ثلاث سنوات وهو أمر غير ملزم لإيران قانونياً بأن تبقى تشتري هذا الوقود منها لمدة ستين عاماً هو العمر المفيد لهذه المنشأة!
- إن ما يسمى بتجارة القرن الواحد والعشرين والتي كانت تعول واشنطن عليها كثيراً، ألا وهي بيع الوقود النووي للعالم انطلاقاً من قهر الحالة الإيرانية وتركيعها للقبول بالولايات المتحدة مصدراً أساسياً إن لم يكن وحيداً لشراء هذا الوقود اللازم لصناعة الكهرباء الذري تكون قد سقطت أيضا، ما يعني خسارة كبرى تقدر بنحو أربعة تريليونات دولار سنوياً إذا حسبنا الفرق بين سعر الميغاوات الواحد من الطاقة الكهربائية المنتج من النفط أو الغاز والذي يكلف بين خمسة إلى سبعة سنتات وذلك المنتج بواسطة الطاقة الذرية والذي يلامس السنت الواحد فقط، إضافة إلى محاسبة سعر النفط أو الغاز كما تريد أن تتحكم به واشنطن بالسياسة!
بالاستناد إلى ما تقدم نستطيع أن نفهم اليوم سبب الغضب والحنق الصهيوني ومن ثم الأميركي طوال الفترة السابقة على نضوج اكتمال دورة الوقود النووي ومن ثم هضم حلول موعد افتتاح محطة بوشهر الذرية كرهاً وقهراً دون أن يتمكنا من تعطيل هذه الدورة المشروعة والمحقة، ما سيشكل عملياً سابقة خطرة للغاية بالنسبة لسائر الدول المستقلة والأخرى الساعية نحو التحرر من التبعية للسياسات الأميركية الخاصة منها بالسياسة كما بالاقتصاد!
بالمقابل نستطيع أن نفهم الآن أيضاً لماذا كان ولايزال المفاوض الإيراني يصر على ما كان يسميه بحزمة المقترحات الإيرانية مقابل ما بات يعرف بحزمة المقترحات الغربية، ذلك أن المعركة بالنسبة لصاحب القرار الإيراني لم تكن يوماً من أجل فتح محطة بوشهر للطاقة الكهربائية لوحدها ولا إعادة ضخ الوقود في مفاعل طهران للأغراض الطبية ولا حتى لتكريس حق التخصيب وتالياً حق صناعة الوقود النووي، بقدر ما كانت ولا تزال الدفاع عن استحقاق الدول المستقلة في تأميم أو توطين التكنولوجيا النووية لأجل تحرير القرار السياسي من التبعية لمعادلة المنتصرين في الحرب العالمية الثانية غربها وشرقها وهي المعادلة التي باتت تتحكم بها المصالح الصهيونية العليا للأسف الشديد.
وعليه فإن انطلاق محطة بوشهر الذرية اليوم وما حملته من معان مشار إليها آنفاً سترمي بظلالها بقوة من الآن فصاعداً على أي مفاوضات ستجريها طهران مع ما يسمى بمجموعة فيينا أو مع مجموعة الخمسة زائد واحد، ناهيك عن عمليات شد الحبال بين العاصمتين الإيرانية والأميركية حول مستقبل الملفات الإقليمية الساخنة من فلسطين مروراً بلبنان وصولاً إلى العراق الذي وصلت فيه واشنطن إلى محطتها الخريفية فيه بعد أن غرب شمسها وبدأ نجمها يأفل! محمد صادق الحسيني |