أكد الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا داسيلفا أن الاستراتيجية التي تبنتها حكومته في عام 2003 بشأن التقارب مع البلدان العربية كانت تهدف لاستعادة العلاقات مع دول المنطقة وإعادة رسمها الهندسي بما يشمل التنسيق على الصعيد السياسي وفتح الأبواب أمام تعاون استثماري واقتصادي يرتقي بالعلاقات الثنائية إلى مستوى جديد يتناسب مع وجود جالية سورية يقدرها البعض بحدود 2 إلى 3 ملايين مغترب ومتحدر.
وأضاف الرئيس داسيلفا في لقاء مع وكالة الأنباء العربية السورية سانا وصحيفة الوطن: من هذا المنطلق جاء اختياري لسورية لتكون المحطة الأولى في جولتي على عدد من بلدان المنطقة واستكمالاً لهذه الخطوة انطلقنا معاً في مبادرات التحالفات الإقليمية عبر إعلان برازيليا في عام 2005 وبيان الدوحة في عام 2009 وها نحن اليوم قد وصلنا إلى مرحلة جديدة تتميز بنمو حجم مبادلاتنا التجارية وثقتنا المتبادلة أثمرت عن تحول نوعي على جدول اولويات العلاقات التجارية التي كانت تربطنا مع دول القارة الاوروبية وامريكا الشمالية حيث لم تعد سلة صادراتنا تعتمد على هذه الأسواق وانطلقت سلعنا إلى دول القارة الإفريقية والبلدان العربية والآسيوية.
وحول عملية السلام في المنطقة أكد الرئيس لولا داسيلفا أن أهمية السلام في منطقة الشرق الأوسط تماثل وتقترن بأهمية الدور الاستراتيجي لسورية في المنطقة مضيفاً أن أهمية سورية علاوةً على موقعها الجغرافي الاستراتيجي تنبع من قدرتها على تحقيق التفاهمات السياسية مع جميع الأطراف ذات العلاقة إلى جانب علاقاتها المنفتحة مع حكومات البلدان العربية واحتضانها لأكثر من 5ر1 مليون لاجئ عراقي وهي دليل على مرونة موقفها وحكمة تعاطيها مع قضايا المنطقة والمستجدات الأخرى الإقليمية ما جعلها تتبوأ المكانة الأهم في أي مفاوضات تتعلق بعملية السلام في المنطقة.
ورداً على سؤال حول استمرار إسرائيل في رفض السلام والتهجم على قوافل الإغاثة الدولية اعتبر الرئيس البرازيلي أن السلام ليس من مسؤولية الولايات المتحدة الأمريكية بمفردها وأحادية قطبها مضيفاً أن السلام في الشرق الأوسط لن يتحقق إلا إذا شملت المفاوضات كل الأطراف.. وأن عزل البعض أو تهميشهم يزيد من تعقيد المسألة.. فالسلام ليس اتفاقاً يجتمع حوله الأصدقاء حيث هناك أطراف أخرى لم تتم دعوتهم لا بل لا يعترف بهم.. ومن هذه الرؤية انطلقت الديبلوماسية البرازيلية للعمل على فتح القنوات.. وجاءت زيارتي إلى سورية التي نعتبر دورها الاستراتيجي في المنطقة يوازي أهمية السلام في الشرق الأوسط.. وللإشارة فقط فإن وزير خارجية البرازيل زار دمشق لأكثر من مرة وهذا دليل على رغبتنا في تنسيق مواقفنا وتعزيز جهودنا المشتركة.
وحول رؤية الحكومة البرازيلية وموقفها من القضايا العربية والاحتلال الإسرائيلي ودورها في مفاوضات السلام بالمنطقة رأى الرئيس لولا دا سيلفا أن حل النزاعات في حقبة زمن قادة مثل روزفلت وتشرشل وحتى ستالين كان أسهل بكثير من وقتنا الراهن ولا سيما أنهم خرجوا من حرب عالمية وتقاسموا مصالحهم العالمية.. لكن ما يجري على الساحة الدولية في وقتنا هذا مختلف تماماً عن تلك الحقبة حيث هناك عدد كبير من الدول أصبح لها دور مهم في السيناريو العالمي والنظام الديمقراطي أكثر امتداداً واستقراراً.. إلا أن المنظمة الأممية بهيكليتها الحالية لم تعد ذاك المكان المناسب لمناقشة القضايا الدولية لأنها ما زالت تمثل عالم العقد الخامس من القرن الماضي والبرازيل تطالب بإصلاح هذه المنظمة لأن وهن الأمم المتحدة يسمح باستمرارية وبقاء نظام عالمي أحادي القطب.. وأحادية القطب برز دورها في الحرب على العراق وهذا ليس مقبولاً بعد الآن.
وأضاف الرئيس البرازيلي: إن قراراً صدر عن الأمم المتحدة أسفر عن قيام دولة إسرائيل ويقع على عاتق المنظمة الأممية ضمان قيام دولة فلسطين وتنفيذ القرارات الصادرة عنها.. معتبراً أن مشكلة السلام في الشرق الأوسط لا تخص الولايات المتحدة الأمريكية فقط بل هناك العديد من البلدان والأطراف يجب أن تأخذ موقعها في مفاوضات السلام وهذا ما ندافع عنه.
واعتبر الرئيس لولا دا سيلفا أن في داخل إسرائيل هناك مواقف متناقضة إزاء عملية السلام ولكل طرف رأيه ونحن نعرف تماماً أن واشنطن المحاور الأول باسم اسرائيل ولكن من حقنا أن نسأل من الجهة أو الأطراف التي تتحمل عبء دور المحاور باسم الأطراف الأخرى لذا القرارات لا تكفي إن لم يكن هناك من وسائل فاعلة تدعم تنفيذها ويبدو أن هناك من يتحكم بالنزاع في المنطقة.. والبرازيل ومن منطلق ثقافتها السلمية تدعو وتشدد على ضرورة الاستمرار في المفاوضات ولكن بعد مؤتمر أنابوليس لم نشهد مؤتمراً آخر ولم نتمكن من جمع الأطراف الكبرى للتحاور مجدداً لأن هناك من لم يرغب بذلك.
ورداً على سؤال حول تمسك البرازيل بموقفها إزاء الاتفاق النووي الذي تم إبرامه بجهود تركية مع طهران أكد الرئيس البرازيلي أن موقف دول مجلس الأمن دائمة العضوية وتداعيات الاتفاق النووي الذي تم التوقيع عليه في 17- أيار الماضي في طهران أمر يثير الكثير من الحيرة لأنه يناقض المنطق حيث أن العقوبات الصادرة عن مجلس الأمن الدولي بدوله الكبرى تضاربت مع رغبتهم في التحاور مع إيران من منطلق مضمون الرسائل التي وجهها الرئيس أوباما لعدد من الرؤساء بما فيها البرازيل وفي خطوة لاحقة فإن هذه الدول الكبرى لم تدع ولمرة واحدة صاحب الشأن في مسألة الأزمة النووية الإيرانية.
وقال الرئيس البرازيلي: عبرت لرؤساء الدول الكبرى عن افتقار موقفهم للمنهج السليم حين وضعوا مناقشة قضية بمثل هذه الأهمية بيد معاونيهم أو كبار موظفيهم دون أن يكلفوا أنفسهم بالاستماع لوجهة نظر الرئيس الإيراني ولا سيما أن زعامتهم السياسية تفرض عليهم احترام ثقة ناخبيهم.. هم لا يصدقون إيران وإيران غير واثقة بهم ومن هنا برز دور وضرورة وجود أطراف أخرى تعمل على تحقيق التقارب واستحضار الغائب ألا وهو الحوار من منطلق قناعة البرازيل وتركيا بوجود مثل هذا الحيز الذي لم يفعل بعد في عملية التفاوض.
وتابع الرئيس البرازيلي: إن طهران تعهدت وقبلت الجلوس إلى جانبنا حول طاولة الحوار ولا سيما أن لتركيا دوراً مهماً جداً عبر احتضانها لفكرة ضمانة وديعة اليورانيوم الذي سيتم تخصيبه لدى طرف آخر ولكن سجناء الخطاب أجهضوا جهودنا بفرض جولة رابعة من العقوبات على إيران وهم عبر هذه الخطوة كانوا أسرى مواقفهم السابقة حيث ذهبوا بعيداً بخطابهم ليجعلوا من العقوبات مثل مسألة رد شرف لما أفصحوا به على العلن وانتقاماً أو حتى غيرة من الدولتين اللتين تمكنتا من التوصل لاتفاق مع إيران لأن موقعهما في مجلس الأمن الدولي غير دائم العضوية.
وأضاف الرئيس لولا دا سيلفا: ما أحبطنا فعلاً أن هذه الدول الكبرى قامت بفرض العقوبات قبل أن تكلف نفسها قراءة الرسالة التي بعثت بها طهران إلى دول مجموعة "فيينا" وهذا يدفعني للقول إن على البعض أن يعرف أن ممارسة العمل الديمقراطي ولغة الحوار أمر بغاية التعقيد إلا أنه أفضل السبل للتوصل إلى التوافق والاتفاق.
ونبه الرئيس البرازيلي إلى أن العقوبات المفروضة على إيران لم تؤثر على العلاقات التجارية التي تربط طهران ببعض الدول وأن من شن الحرب على العراق حاز على عقود إعادة الإعمار وقال: من منطلق اعتقادنا بأن العالم لم يعد يسمح باستمرار ما هو عليه من واقع قمنا بزيارة عدد من دول المنطقة والتقينا مع حكوماتها بحثاً عن تفعيل الحوار بينما وسائل الإعلام العالمي تتعامل مع الصراع في المنطقة كما لو أنها وصي عليه أو طرف فيه وتتساءل في كل مرة عن الأسباب التي دفعت البرازيل للعب دورها على صعيد السيناريو الشرق أوسطي ولا سيما إيران معتبرة ذلك من اختصاص مجلس الأمن الدولي وأن البرازيل عليها ان تهتم بقضاياها الإقليمية.
وقال الرئيس لولا دا سيلفا: إننا حريصون على القول إن عالم الجغرافيا السياسية قد تبدل ولم يعد على واقع حاله السابق لأن سياسة القطب الواحد موجهة لخدمة مصالح هذا القطب وإن الأزمة الأخيرة على صعيد المؤسسات المالية في الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا برهنت على ضرورة التمسك بدور مؤسسات الدول في إدارة العمل على صعيد الهيئات المالية وهذه الضرورة تشمل أيضاً إعادة صياغة نظام الحكم العالمي الذي نعيشه اليوم.
|