لم نكن نعرف أن رئيس الوزراء الإسباني السابق خوسيه ماريا أثنار من هواة التنس حتى شاهدناه يتابع دورة مدريد التي فاز بها البطل الإسباني رافائيل نادال.
كان أثنار يتابع بعض المباريات ولاسيما تلك التي كان طرفها نادال، وكان يجلس في منصة المشاهدين في الدرجة الأولى، بوجه حيادي دون أي حماسة وكأننا أمام صنم تم صمده في المدرجات، وليس إنساناً من لحم ودم.
وأثنار ـ لمن نسي أو تناسى ـ هو زعيم حزب (الشعب) اليميني المحافظ في إسبانيا، وهو واحد من ثلاثة أشخاص اتخذوا قرار أكبر جريمة عرفها العصر الحديث ونعني بها جريمة غزو العراق واحتلاله وتدمير بناه التحتية وقتل أكثر من مليون من أبنائه وتهجير الملايين.
كنا نتمنى أن ينمي أثنار هذا هوايته في كرة المضرب كمشاهد ولا بأس إن كان لاعباً، لا أن يكون رئيس حزب، ثم رئيساً لوزراء دولة أوروبية مهمة، وبعد ذلك يتحول إلى مجرم حرب تلطخت يداه بدماء العراقيين، وحتى الفلسطينيين لمن لا يعرف!.
لكننا نعتقد أن ظهور أثنار في بطولة مدريد للتنس ليس بسبب عشقه لهذه اللعبة، ولبطل العالم رافائيل نادال، بل إنه يدخل في إطار حملة انتخابية مبكرة جداً في محاولة للعودة إلى المنصب الذي طرده منه الشعب الإسباني الصديق عقاباً له على ما اقترفت يداه من جرائم بحق الإنسانية قبل أن تكون بحق العرب والعراقيين.
فبعد ظهوره غير البهي على شاشات التلفزة وهو يتابع مباريات التنس، وبعد ظهور وجهه المكفهر خرج علينا بمقالة نشرتها صحيفة (التايمز) البريطانية، دعا فيها الغرب أجمع إلى الدفاع عن إسرائيل والوقوف إلى جانبها بحزم والعمل على إفشال محاولات عزلها أو معاقبتها، ولاسيما بعد القرصنة الإجرامية التي اقترفها عندما تعرضت في أعالي البحار لقافلة الحرية.
إسرائيل ـ حسب وصف أثنار ـ هي خط الدفاع الأول للغرب وهي امتداد طبيعي لهذا الغرب، بل هي (دولة غربية كاملة، وانهيار إسرائيل يعني انهيار الغرب)! وهذا ربما يكون أوضح اعتراف بأن إسرائيل امتداد طبيعي للغرب الاستعماري يصدر عن مسؤول غربي.
كلام أثنار جاء بعد أيام من تصريحات قوية لرئيس الوزراء الاسباني الحالي خوسيه لويس رودريغير ثاباتيرو طالب فيها الاتحاد الأوروبي الذي تترأسه اسبانيا حالياً باتخاد موقف موحد وحازم تجاه القرصنة الإسرائيلية على قافلة الحرية، وتجاه الوضع الإنساني في غزة، وهو المطلب الذي ترجمه الاتحاد الأوروبي عملياً عندما أدان القرصنة الإسرائيلية ودعا إلى تشكيل لجنة تحقيق دولية لكشف خفايا هذه الجريمة البشعة كما دعا إلى رفع الحصار عن قطاع غزة.
هكذا يرتفع صوت قادم من القبور منادياً بالدفاع عن إسرائيل لأنها (مشروع غربي بامتياز) أي امتداد للاستعمار الغربي بوجهه القبيح الذي رحل عن الأرض العربية جيوشاً وقوات مسلحة وبقي في هذه الأرض بأشكال اقتصادية وثقافية وفكرية متعددة الألوان، إضافة إلى وجود استعماري - استيطاني اسمه إسرائيل.
وللتذكير هنا ـ ولا نظن أن أحداً في العالم لا يتذكر ـ فإن أثنار هو رأس حربة »المحافظين الجدد« الإسبان، كما كان طوني بلير رأس الحربة في بريطانيا (العظمى) وكما كان جورج بوش رأس الحربة في الولايات المتحدة، وعندما اجتمع هؤلاء المجرمون الثلاثة، وليس مصادفة، كان قرار تدمير العراق ومحاولة شطبه من الخريطة العربية ومن الدول العربية التي تحمل لواء قضية فلسطين.
ليس مصادفة أن يكون بوش رئيساً للولايات المتحدة في الوقت الذي كان فيه بلير في رئاسة وزراء بريطانيا، وأثنار في رئاسة وزراء اسبانيا، فالمحافظون الجدد في الدول الثلاث استطاعوا الوصول إلى الحكم في آن واحد لاتخاذ قرار غزو العراق وتحويل دوره من مدافع عن الحق العربي إلى مدافع عن مشروع الشرق الأوسط الجديد ذي الهوية الإسرائيلية والمنبع الصهيوني.
اليوم يبدو أن اثنار يحاول العودة إلى الحكم لمتابعة تنفيذ مخططات المحافظين الجدد الذين يواصلون العمل في الظل حيناً وفي النور أغلب الأحيان، وفي مقدمة هذه المخططات (مشروع الشرق الأوسط الجديد) الذي أسقطته إرادة المقاومة مؤقتاً، لكنه لم يمت نهائياً، ولايزال المحافظون الجدد يحاولون بعثه إلى الحياة.
من يظن أن المحافظين الجدد في الولايات المتحدة قد رحلوا مع رحيل إدارة بوش فهو واهم جداً، فهؤلاء المحافظون يحتلون أغلبية مقاعد الكونغرس بمجلسيه النواب والشيوخ، كما أن المحافظين الجدد في بريطانيا واسبانيا لا يزالون يأملون في العمل مع نظرائهم الأميركيين للدفاع عن إسرائيل التي هي كما قال أثنار: (امتداد طبيعي للغرب، أو للغرب الاستعماري القبيح).
لكن السؤال هو: هل سيعيد الأصدقاء الإسبان أثنار إلى الواجهة بعد أن طردوه من الباب الضيق؟ وهل ستلتقي أجنحة المحافظين الجدد في كل من الولايات المتحدة وبريطانيا واسبانيا مرة أخرى لارتكاب جريمة جديدة تفوق في بشاعتها جريمة غزو واحتلال وتدمير العراق؟.
لا نظن أن الشعب الاسباني الذي عانى الأمرين من حكومة أثنار سيرتكب مثل هذه الخطيئة الكبرى، وأن يكرر التجربة مع شخص يرى أن مصلحة إسرائيل أهم بمئات المرات من مصلحة اسبانيا.
من الأفضل (للسيد) أثنار أن يتابع دورات التنس وننصحه بإبداء بعض الحماسة ليضفي على وجهه النحاسي نوعاً من الحياة والبريق، كما ننصحه أن يحاول الإفادة من تجربة السيد ثاباتيرو الذي حظي باحترام العرب وشعوب الارض بسبب مواقفه القوية والشجاعة التي تنحاز إلى الحق والعدل.
وإذا كان أثنار يعتبر ثاباتيرو عدوه اللدود ولا يمكن له أن يكون مثلاً يحتذى به، فإننا ننصحه الإفادة من البطل رافائيل نادال الذي من خلال لعبه وموهبته وأخلاقه حظي بحب واحترام معظم المتابعين ولاسيما في وطننا العربي.
لكننا على ثقة بأن أثنار سيظل أثنار، ولن يرتقي إلى مرتبة ثاباتيرو ونادال، وليعذرنا هذان البطلان (كل في موقعه) على المقارنة بينهما وبين أثنار، فالمقارنة لا تجوز على الإطلاق، تماماً مثلما لا تجوز المقارنة بين الذئب والحمل وبين القاتل والضحية.