ليس يوماً آخر إذا لم توضع الصور الجزئية في الإطار العام للمشهد في المنطقة، وطالما بقي من يصدّق الخدعة الإسرائيلية، حتى ولو قام بدحضها يوماً بعد يوم «مفبركوها» أنفسهم، كما يحدث الآن بالصوت والصورة ويراه ويسمعه العالم بأسره، فالأمين العام للأمم المتحدة يقترح تشكيل لجنة للتحقيق في مجزرة أسطول الحرية تشارك فيها كلّ من الولايات المتحدة الأمريكية وتركيا وإسرائيل لكنّ إسرائيل ترفض.. والرئيس ساركوزي يدعو لتحقيق أيضاً، ومثله فعل طوني بلير وآخرون ممّن ظلّوا، ولعلّهم مازالو، مصدّقين الكذب الإسرائيلي المتواصل..
لكنّ إسرائيل، التي تحوّلت إلى «قِربةٍ» من الدم، رفضت واستمرت في نهج أسلوبها «الدراكولي» داخل الأراضي المحتلّة وخارجها وصولاً إلى جريمة فجر الاثنين التي أدّت إلى استشهاد ستة شبّان فلسطينيين شمال سواحل غزّة برصاص القوارب الحربية الإسرائيلية.. إنها جريمة تضمّ إلى جريمة منع سفينة السلام الإيرلندية راشيل كوري وإلى الجريمة الدموية المرتكبة بحق سفينة مرمرة وبقية سفن أسطول الحرية، ضمن جريمة الحصار الأكبر لقطاع غزة وضمن جريمة الجرائم الكبرى أي الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية والعربية، بحيث لم يعد (ولن يكون) خارج السوابق أيّة جريمة أخرى مهما بلغ حجمها أو عدد ضحاياها - الأبرياء منهم على وجه الخصوص.
لكن، ليس هنا مربض الفرس!.. ذلك أنّه من الصعب على الدولة العبرية أن تتحدّى العالم - بعد كل رفضه العارم والمتّسع لحصارها قطاع غزة - لولا رهانها على مواقف الولايات المتحدة الأمريكية، ولولا التزام هذه الأخيرة بأمن إسرائيل، وترك إسرائيل بمفردها تقيس حدود أمنها وتمطّ مجال تدخلاتها حياله حيث شاءت، حتّى لو تطابق ذلك مع الأساليب القديمة للقراصنة في عرض البحار.. من هنا نعتقد بأن تظاهرات الغضب وبيانات الإدانة والاستنكار المدهشة من حيث اتساعها وأهميتها كخلفية جديدة لكسر الحصار عن غزّة الباسلة، لا تكفي وحدها لترجمة الغضب وتحويله إلى سياسة.. لأن هذه الترجمة هي المكافئ الوحيد لترجمة العدوان الإسرائيلي إلى سياسة مؤبدة لحكومات إسرائيل المتعاقبة منذ عام 1948 حتى الآن.
حين يتحول الغضب إلى سياسة تنبت له قواطع وأسنان وهذا هو المطلوب أخيراً، ولعلّه أولاً، نقول: طوبى للغاضبين والمستنكرين في وطننا وعبر العالم، وطوبى أيضاً لمن يبادر الآن ويخطو على طريق المصالحة الوطنية الفلسطينية الخطوات التي تنهي حالة الانقسام داخل الصف الفلسطيني.. طوبى كذلك لكل خطوة من أي دولة عربية يُفهم منها عقاب المعتدي الإسرائيلي، على جرائمه التي لا تنضب.. وطوبى للعرب إذا ما قرروا الوقوف في مواجهة سياسات الولايات المتحدة وليس السياسات الإسرائيلية وحسب، وقفة رجل واحد، ففي ذلك المعنى الآخر والأهمّ لتحويل الغضب إلى سياسة!.. بقلم: د.عيد أبو سكة |